رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

     جرت عادة الناس ، لا سيما فى الشرق ، على افتراض أن قرابة الدم وقرابة الأرحام ـ سبب فى ذاته للمحبة ، لا يحتاج إلى اثبات أو دليل .. وقد يفترضون أن غير الأقرباء غرباء لا يؤمَنون ، أو لا يؤمن جانبهم ، إلاَّ إذا قامت بينة قوية فعلية على قوة الآصرة الانسانية وتحقق المحبة والمودة ..

     وبرغم وجود شواهد لا تتوقف على بطلان هذا الافتراض أو ذاك ، إلاَّ أن الجميع يسلمون به ، ولا يتفطنون إلى أن العداء الشديد قد يوجد بين الأقارب بل وبين الأشقاء من طول العشرة والالتصاق ، وربما بسبب المقارنات والمنافسات التى تجرى فى الواقع والخيال معًا .. وما قد ينشأ مع الزمن ، أو نمو الاطماع ، من افساد العلاقات وحلول التنافر وربما العداوة محل محبة الأخوة ومحبة القربى .

     بينما تورى الشواهد أيضًا ، بأن الغريب غير المثقل بمثل هذا الزاد الكئيب ، أقرب فى الواقع لعقد صداقة فعلية قوية ، يحرص على المحافظة عليها وصيانتها بأكثر مما يحرص الأهل المطمئنون إلى كفاية قرابة الدم أو الأرحام ، وأن هذه القرابة فى ذاتها تكفيهم وتغنيهم عن رعاية شجرة المودة والمحبة ، والتى تحتاج دائمًا إلى هذا العناية .. وكم من شجرة باسقة تذبل من طول اهمالها !

     ويبدو أن هذا الافتراض تقليد قديم بين جماعات العشائر والقبائل .. شكل مع مرور الزمن جزءًا من معتقداتها ، كرس ذلك أنه كان لازمًا لترابط أبنائها فى الدفاع وصد الغوائل عنها والمحافظة على بقائها وقوتها !

ومع تشعبات الحياة ، ومنعطفاتها التى تتزايد مع الزمن ، لم يعد منطقيًا افتراض المحبة لمجرد القرابة ، ولا افتراض غياب المحبة وربما وجود العداوة من مجرد البعد أو الغرابة .. فقد اختفت العشائر والقبائل فى معظم العالم من قرون ، وحلت المجتمعات أو كادت محل تعصبات القرابات ، وصارت المجتمعات تزداد اتساعًا وافتتاحًا باستمرار ، وحلت « الأمة » محل العشائر والقبائل ، وتطورت وارتقت الثقافات ، بحيث لم يعد سائغًا فى العقل افتراض عداوة أو عدم الأمان للمختلف فى الجنسية أو الدين ، إلاَّ فيمن أصابهم التعصب الضرير الذى كان أيضًا من منتجات العصر .

     المحبة ، والمودة ، شجرة تنمو برعايتها والعناية بها والحرص عليها ، ولذلك تنشأ الصداقات والمحبات الجديدة ، وقد تذوى وتذبل بل وتتحول إلى التنافر والعداوة محبات القربى التى اطمأنت إلى أن افتراضها يغنى عن العناية بها . العلاقات الأسرية والاجتماعية علاقات حية بين أحياء ، تحتاج كالشتلة إلى الرى والتخصيب والعناية .. وإلى المشاركة والتساند بين الجانبين . يجب أن يكتتب فيها أطرافها باستمرار ، لكى تظل حية مستمرة ومورقة تزداد وتزدهر كالروض الذى يتعهده أصحابه . المحبة والصداقة والمودة تستحق أن تُرعى كما ترعى الأشجار والزهور . إنها الوجه الطيب فى الحياة .

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *