رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

     لم أعاصر ، ولكنى أستطيع أن أتصور أن من اعترضوا من سنين بعيدة على إلغاء الرق والعبودية ، قد إحتجوا ــ آنذاك ــ  بأن إمتلاك الإماء وارد بالقرآن الكريم ، وأن ما ملكت الإيمان غير محرم فيه ، وقولهم وتجاهلهم عمدًا أو عن جهل ، أن موقف القرآن لم يكن انتصارًا للرق ، وإنما سياسة فى علاجه حتى ينقضى امره ، فقد كان عند المبعث ــ نظامًا عالميًا واقتصاديًا يسود العالم ، فاضطر لعلاجه بالتدريج حتى لا يُهجر الدين فى بدايته ، واثقًا من أنه حين يتآكل بالسياسة التى خطها ، لن يقلق المتدينين ، وأنه من المؤكد لهم ــ ولغيرهم ــ أن انتهاءه ليس ضد الدين ، وأنه لم يكن موجودًا بأمر الدين أو بإقراره . 

     وتستطيع أن ترى سياسة الإسلام فى تجفيف الرق ؛ واضحة أمامك فى موقفه العام والإنسانى من الأرقاء والعبيد ، وكيف أن بلالاً دخله حرًّا بعد أن أعتقه أبو بكر لحظة شرائه من أمية بن خلف لينقذه من العذاب ، وكان سلمان الفارسى حرًّا فيه ، وكذلك صهيب الرومى وغيرهم . وتستطيع أن ترى سياسة الإسلام فى مقاومة الرق بما استنه من وقف قتل أو استعباد الأسرى ، وكيف صار المعتوقين فيه ذوى كرامة لم ينكرها عليهم المسلمون . فما من أحد أنكر ولاية سلمان الفارسى على المدائن وغيرها ، وما من أحد أنكر مكانة بلال وسط كبار الصحابة والمهاجرين ، ورأى المسلمون كيف كان الرحمة المهداة ــ عليه الصلاة والسلام ـ يطلق أسير الحرب إذا ما عَلَّم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة ، وأنه قبل فيهم الفداء ، وقَدَّم الَمَنَّ على الفداء عملاً بحكم القرآن الكريم : « فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا » (محمد 4) ، وكيف رأى المسلمون ولا يزالون حتى اليوم ــ مبادئ المساواة التى تعلو « السياسة » فى الإسلام .

    طفق المسلمون وما زالوا يقرآون قوله سبحانه وتعالى : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » (الحجرات 10) ويقرأون قوله عز وجل : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ (كل الناس) إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ » (الحجرات 13) .

    مقررًا أن الفضل والأكرمية للتقوى ، وليس للعرق أو الوجاهة أو الإمتلاك أو المال أو القوة أو السلطان ، وأن ما فى الإسلام من مبادئ تعلو السياسات (المؤقته والمتغيرة) : مبدأ المساواة ، فهو دين المساواة ، وليس دين الاستعباد أو الاسترقاق . أما التفاوت فى الكفاءة أو فى العلم أو العمل أو فى المجاهدة ، فلا يدخل تقديره فى باب اللامساواة ، وإنما فى باب المساواة بقدرها الذى لا يهمل اجتهاد المجتهدين والنابهين ، فلهم « الدرجات » وليس الطبقات ..

     فالدرجة ــ لا الطبقة ــ هى جزاء المؤمنين وأسبقيتهم على غيرهم ، وجزاء أولى العلم على من لا علم لهم ، وللمجاهد على القاعد درجة ، ومن إرتفعوا بهذا أو ذلك من الكفاءات ، إنما ارتفعوا درجة أو درجات ، لا طبقة ولا طبقات . فلا طبقات فى الإسلام ، وهذا معلم أساسى من معالم مبدأ المساواة فيه ، فالكل أخوة ، ولا فضل لعربى على عجمى ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أسود أو أحمر ، إلاَّ بالتقوى . وتتابع الآيات القرآنية التى ترسخ لهذا المفهوم الذى به سما مبدأ المساواة .. « يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا » (النساء 1) ، « وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ » (الانعام 98) ، « هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا » (الأعراف 189) . هذا التنبيه متكرر فى القرآن إلى أصل الإنسان الواحد .

    فى السنة النبوية يقول عليه الصلاة والسلام : كلكم لآدم من تراب .

    وذات هذه المساواة ، والاحساس العميق بها ، والذى يتزايد مع نمو الأخلاق وتطور الثقافة واتساع رؤيتها . هذه المساواة كانت أساس تجفيف الرق وما ملكت الإيمان حتى انقطعًا تمامًا ، وتقبل الؤمنون انقطاعها بلا مناهضة إقرارًا بأن ما تفرضه حق ، لا يتنافى ولا يتعارض مع الدين ، بل إن الإسلام ذاته هو الذى أعلى مبدأ المساواة ، وسد منافذ الرق ، وفتح أبواب العتق ، فجعله ثوابًا ، وكفارة أيضًا للذنوب .. ككفارة الظهار واللعان ، وكفارة الحنث فى الإيمان والنذور ، وكفارة القتل الخطأ . وأعملت هذه السياسة أثرها ، مع أثر تقدم المدنية والحضارة ، فاختفى الرق وما ملكت الإيمان دون أن بأسى أحد من المسلمين على اختفائهما ، أو يدعى متقول أن ذلك ضد الإسلام . الإسلام لا يقر الرق ولا يقر العبودية ، بل هو عنوان المساواة والإنسانية .   

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *