رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

  لا جدال أن البت فى حصول الوفاة ، هو من اختصاص الأطباء الثقات ، ولكن تقريره له أبعاد ونتائج شرعية قانونية اجتماعية ، لذلك فقد أصابت فتوى الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع لمجلس الدولة ، حين أوردت (9/1995) بأن الموت ليس واقعة طبية فقط ، ولكنه أيضًا حقيقة دينية فلسفية وواقعة قانونية وحالة اجتماعية ، كما أصابت حين أبدت أنه : « لا قول بموت مادام جزء من الجسم حيّا ، وأنه لا محل لانتزاع الأعضاء ـ بل يعد جريمة ـ ممن يعانى سكرات الموت فقد يكون الانتزاع هو السبب المميت . ولا مصادرة فيما ورد بالفتوى على الطب والأطباء ، فهم أصحاب القرار . والاحتياط فى تقرير الموت ، البادى فى فتوى مجلس الدولة ، التزم به أيضا أهل الفقه والشرع ، ففى فتوى فضيلة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ جاد الحق على جاد الحق ، أنه لا يجوز قطع أى عضو إلاّ إذا تحقق الموت كما جرى بيانه فى كتب الفقه ـ وهو زوال الحياة ، بظهور علاماته التى عددها وجرت عليها كل كتب الفقه ، ولكنه أضاف أنه وإن جاز استعمال الأدوات الطبية للتحقق من موت الجهاز العصبى ، إلاّ أن ذلك « ليس وحده آية الموت بمعنى زوال الحياة ، بل إن استمرار التنفس وعمل القلب والنبض كل أولئك دليل على الحياة وإن دلت الأجهزة الطبية على فقدان الجهاز العصبى لخواصه الوظيفية ، فإن الإنسان لا يعتبر ميتا بتوقف الحياة فى بعض أجزائه مادام لم يتحقق موته كلية بألاّ تبقى فيه حياة ما ، لأن الموت زوال الحياة » . ( الفتاوى الإسلامية جـ 1/3714 ) .

     وفى قرار مجمع البحوث الإسلامية برئاسة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر (4/1997) أن الموت شرعًا هو :« مفارقة الحياة للإنسان مفارقة تامة بحيث تتوقف كل الأعضاء بعدها تـوقفا تاما عـن أداء وظائفها » . (والذى يحدد ذلك هم الأطباء)  .

     وفى آخر فتاوى دار الإفتاء المصرية ، لفضيلة مفتى الديار الأستاذ الدكتور على جمعة ، « أنه لابد لإجازة نقل الأعضاء أن يكون المنقول منه العضو قد تحقق موته شرعيّا ، وذلك بالمفارقة التامة للحياة ، بأن تتوقف جميع أجهزة الجسم فيه عن العمل توقفًا تامًّا تستحيل معه العودة للحياة مرة أخرى بشهادة أهل الخبرة العدول الذين يخول إليهم التعرف على حدوث الموت ، بحيث يسمح بدفنه ، وتكون هذه الشهادة مكتوبة وموقعة منهم »

       فهل خرج تعريف المؤتمر الأخير (12/3/2009) لمجمع البحوث الإسلامية ـ عن هذه الأسس المتفق عليها ؟. جواب ذلك فى نص التوصية السادسة وجرت بأنه : ـ

      « يعتبر شرعًا أن الشخص قد مات موتًا على سبيـل اليقين ، وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعًا للوفاة إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين  :

أ   .    إذا توقف قلبه وتنفسه توقفًا تامًّا وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه  .

ب .    إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائيًّا ، وحكم الأطباء الثقات الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه ، وأخذ دماغه فى التحلل » .   

      وواضح أن ما ورد فى البند (أ) يتفق مع ما جرت عليه الآراء بإجماع ، وأن ما ورد فى البند (ب) اشترط تعطل جميع وظائف الدماغ تعطلاً نهائيًّا وبلا رجعة ، على أن الأهم الاستدراك الذى اشترط أن يكون الدماغ « قد أخـذ فى التحلل » !   

*          *         *

     ومع أن مقاييس الطب ، غير مقاييس الشرع ، إلاّ أن الفصل التام بينهما فى مسألة البحث حول ماهية المـوت الحقيقى ، تستوجب فى نظرى لصحة أحكام الطرفين : الأطباء وأهل الشرع ، أن يطلع الطبيب على مقاييس وأحكام الشرع لأن ذلك سيضفى على رؤيته العلمية بعدًا أعمق ، وأن يطلع الفقيه الشرعى على حقائق الطب لأن ذلك سوف يعينـه على «سلامة» الوصول إلى حكم الشرع .

     الموت الحقيقى ، بوصفه وأحكامه ، مسألة شرعية لا يمارى فى ذلك أحد ، ولكن وقوعه وأدلته اليقينية القاطعة الحاسمة ، مسألة طبية إلى العلماء الثقات فيها . توجد فوارق علمية بين الموت والحياة يجب أن يحيط بها الشرعى لسلامة استنباطه وحكمه . فرحلة الموت تمر بثلاث مراحل تبعا للأعضاء الحيوية بجسم الإنسان : المخ ، والقلب ، والرئتين . المرحلة الأولى (الموت الإكلينيكى) ، وفيها يتوقف القلب والتنفس ، ويمكن استعادة تشغيلهما فيما لا يجاوز (5) دقائق ، وفيها تكون خلايا المخ والجسم سليمة ، والمرحلة الثانية (الموت الجسدى) ، إذا ما زاد توقف القلب عن خمس دقائق ، فتموت خلايا المخ وينعدم الأمل فى العودة الذاتية لعمل القلب والتنفس ، فتموت خلايا المخ وإن بقيت خلايا الجسم سليمة لفترة ، فإذا أُعيد القلب والتنفس للعمل بالأجهزة الصناعية ، عادت الدورة الدموية مع التنفس ومعهما وصول الأوكسجين إلى خلايا الجسم فتظل حية بالرغم من موت خلايا المخ ، وهى فترة تعرف بـ « الحياة الخلوية » . والمرحلة الثالثة (الموت الخلوى) ، وتتحقق إذا انتهت المرحلة الثانية ومات المخ ولم يوضع الإنسان على أجهزة التنفس الصناعى ، فتتوقف الدورة الدموية ويتوقف الدم نهائيا عن الوصول إلى جميع خلايا الجسم ، فتموت هذه الخلايا مع موت خلايا المخ ، وتبدأ كل هذه الخلايا فى التحلل  .

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *