رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

        تعدد الذين كتبوا ـ قديمًا وحديثًا ـ عن الخلافة ، وعن أصول الحكم فى الإسلام ، منهم من تشيع للقول بأن الإسلام حدَّدَ « الخلافة » بالذات نظامًا للحكم ، ومنهم من رأى كالأستاذ السنهورى أن الخلافة التامة لا تنطبق إلاَّ على خلافة الخلفاء الراشدين ، وأن ما بعدهم
« خلافة ناقصة » لأنها لم تلتزم مبادئ البيعة والشورى واتخذت الوراثة أساسًا لتداول الحكم أو الملك ، ومنهم من رأى أن القرآن الحكيم لم يتحدث بصدد الحكم والحكومة إلاَّ عن مبادئ عامة ، ولم يحدد شكلاً أو نظامًا معينًا للحكومة ، ومنهم من نفى نفيًا تامًّا أن يكون الإسلام ـ قرآنًا أو سنّة ـ قد تعرض بأى شكل للحكم أو الحكومة ناهيك بالخلافة ، ومن هؤلاء وأولاء من اقتصد فى رأيه والتزم الموضوعية وأصول البحث والنظر ، ومنهم من غالى مغالاة وصلت فى بعض الأحيان إلى الإسراف بل والتحامل الذى يكاد أن يحسب تحاملاً على الإسلام ذاته .

     وهذا التعدد والتنوع والاختلاف والتضارب ، يضع على عاتق الباحث الموضوعى مهمة اتقاء مغالاة من غالوا وابتعدوا عن الموضوعية وعن أصول البحث والنظر وعن القصد والاعتدال ـ وأن يبحث بنفسه فى الأصول ليكون رأيه صافيًا بعيدًا عن الغلو أو عن هذا التصارع الشديد الذى كثيرًا ما ابتعد عن الموضوعية !

 

 

ابن خلدون

 

 

       فى مقدمته الضافية ، لتاريخه المعروف « كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر ، فى أيام العرب والعجم والبربر ، ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر » ـ توقف « ابن خلدون » طويلاً أمام نظام الخلافة ، ونظام الملك ، وأحسب أن معظم من كتبوا بعد ذلك فى أصول الحكم من الإسلام ، عالة على ما أورده ابن خلدون فى مقدمته الضافية الشهيرة ، وغايته التى لا تفوت فيه ، هى التفرقة الواجبة بين « الملك » وبين « الخلافة » .

   وبعد فصول تمهيدية ، دخل ابن خلدون إلى لب الموضوع ، وهو انقلاب الخلافة إلى ملك ، ملاحظًا أن الملك غاية طبيعية للعصبية ، إذا لا يقوم الملك إلاَّ جريًا وراء هذه العصبية ، وهى عصبية الانتماء إلى فصيل معين تبعًا للجنس أو الأصل أو غير ذلك .

     وهذه العصبية مكروهة بكل صورها فى الإسلام ، إذ فيها قال الحديث إن الله أذهب عن المخاطبين « عُبَّيّة » الجاهلية ، وهى الكبر والفخر والخيلاء ، وقال تعالى : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ » .

  وهذه العصبية مذمومة ، ذمها الشارع الإلهى ، فقال : « لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم » . لأن العصبية تقوم على الباطل وأحواله كما كانت فى الجاهلية ، وهذا بالطبع غير العصبية فى الحق وللحق .

     كذلك الملك ، ممدوح أو مذموم تبعًا لمراده وأغراضه .

    وقد روى أن معاوية حين لقى ـ بالشام ـ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فى كوكبة وأبهة وزينة ، استنكر عمر ذلك ، وقال له : « أكسروية يا معاوية ؟ »  .

     وهكذا كان شأن الصحابة فى رفض الملك وأحواله ، حذرًا من الالتباس بالباطل .

    أما كيف تحولت الخلافة التى بدأت بالصديق ، إلى الملك ، فكانت البدايات فى تعاظم الثروات التى وصفها المسعودى ( فى مروج الذهب ) ـ ونقلها عنه ابن خلدون بالتفصيل ، ومختصر القول إنه صارت أحوال الدين تبعًا لفساد الدنيا ، فبدأ يصير الأمر إلى الملك وإن بقيت معانى الخلافة فى تحرى الدين ومذاهبه والجرى على منهاج الحق ، ولم يظهر التغير إلاَّ فى الوازع الذى كان دينًا ثم انقلب عصبيةً وسيفًا ، وهكذا كان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك والصدر الأول من خلفاء بنى العباس إلى الرشيد وبعض ولده .

    ثم ذهبت معانى الخلافة ـ فيما يقول ـ ولم يبق إلاَّ اسمها ، وصار الأمر ملكًا بحتًا ، وجرت طبيعة التقلب إلى غايتها ، واستعملت فى أغراضها من القهر والتغلب فى الشهوات والملاذ . وهكذا كان الأمر لولد عبد الملك ، ولمن جاء بعد الرشيد من بنى العباس ، وظل اسم الخلافة باقيًا فيهم لبقاء عصبية العربى .

    والخلافة والملك فى الطورين ملتبس بعضها ببعض . ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشى أحوالهم ، وبقى الأمر ملكًا بحتًا ، كما كان الشأن فى ملوك العجم بالمشرق ، يدينون بطاعة الخليفة تبركًا ، والملك بجميع ألقابه ومناحيه لهم وليس للخليفة منه شىء ، وكذلك فعل ملوك زناتة بالمغرب مثل صنهاجة مع العبيدين ومغراوة وبنى يفرن أيضًا مع خلفاء بنى أمية بالأندلس والعبيدين بالقيروان .

    قد تبين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولاً ، ثم التبست معانيها واختلطت ، ثم انفرد الملك ، حيث افترقت عصبيته من عصبية الخلافة . والله مقدر الليل والنهار ، وهو الواحد القهار .

    ثم أتبع ابن خلدون ذلك بحديث فى معنى البيعة ، وآخر فى ولاية العهد ، ما أصاب فيها وما أخطأ وهو الذى ساد فى الدولة الأموية والدولة العباسية ، بعد أن أشرفت العصبية على غايتها من الملك ، وضعف الوازع الدينى ، واحتيج فى المقابل إلى الوازع السلطانى والعصبانى !

    وخلاصة ما انتهى إليه ابن خلدون ، التفرقة بين الخلافة الخالصة التى كانت فى زمن الراشدين ، وبمفهوم المخالفة أن غيرها ملك ، فإن تسمت بالخلافة فهى خلافة غير خالصة . وسوف نرى أن الأستاذ السنهورى اعتبرها « خلافة ناقصة » فى رسالته الثانية للدكتوراه . سنة 1926 . عن فقه الخلافة .

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *