رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

  

مقابلة حسن الهضيبى

 

    يروى مرتضى المراغى أن عبد الحكيم عابدين أخذ بالمبادرة فرحب به ، وأبدى أن الإخوان يكنون له حبًّا كثيرًا ، فى حين أن معلوماته عكس ذلك ، وأنهم يريدون معه حوارًا مثمرًا .

     أَمَّن المراغى على رغبته فى حوار صريح ، وأنه يأمل أن يتعرفوا عليه شخصيًا لا عن طريق الشائعات التى يطلقها قسم الدعاية لديهم ، وحرص عابدين على نفى اطلاقهم الشائعات عليه ، فحاجاه المراغى بأنهم يطلقون عليه وعلى غيره ، وأنهم لم يتركوا وزيرًا ولا نائبًا ولا صحفيًّا شهيرًا إلاَّ وأطلقوا عليه أشنع التهم .

     ولاحظ المراغى أن الهضيبى صامت ، يتشاغل بالنظر من خلف نظارته ، فحثه على الحديث ، ولكنه طلب إلى المراغى أن يكمل ، فقال له فيما يروى :

     « يا استاذ هضيبى ، لو أنكم اتبعتم الوسائل السلمية فى دعوتكم ودعوتم الى سبيل ربكم بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلتم بالتى هى أحسن ، لما وقع ضدكم ما وقع من اضطهاد ، ولما قتل المرحوم الشيخ حسن البنا . لأن العنف يولد العنف ولا توجد حكومة تقابل القوة باللين والمهادنة .

     « أنتم شعاركم الإخوان سيف ومصحف ، والإخوان رهبان الليل وفرسان النهار ، وقد طبقتم شعاركم بالقتل والنسف . إنكم الآن تجمعون كميات كبيرة جدًا من الذخائر ، فماذا تنوون أن تصنعوا بها . إن فى منظمتكم عددًا كبيرًا من ضباط الجيش والبوليس ، وقد أمكنكم تنفيذ ذلك بما سميتموه مشروع السنوات الخمس .

     « ومقتضى هذا المشروع يقسم الإخوان أنفسهم على المدارس والكليات فى الجامعة والكليات العسكرية ، وبعد خمس سنوات يكون قد تخرج منهم ضباط بوليس تسعون لإدخالهم فى القسم السياسى فى وزارة الداخلية وحرس الوزراء ، وضباط فى الجيش ليدخلوا إدارة المخابرات العسكرية والحرس الملكى ، ومهندسون ليلتحقوا بمصلحة التلفونات والسكك الحديدية . وبذلك تكون فى أيديكم المراكز الحساسة فى البلاد للقيام بعمل انقلاب » .

     ولاحظ المراغى ـ فيما يروى ـ اصفرارًا على وجوه الجميع ، ونظرات متبادلة فيما بينهم فيها شىء من الهلع ، فتابع المراغى يقول :

     « نحن الحكومة نعرف ذلك ونسكت عليه لأن حجتكم من جمع الذخائر هى محاربة الإنجليز فى القنال لطردهم . ولكن نعرف أيضًا أنكم تريدون قتل الملك وقتل كثير من الساسة . لقد ضبطنا من أسبوع عامل المصعد فى قصر القبة وهو يحمل مسدسًا . ولولا أن الملك بات ليله خارج القصر لقتله عامل المصعد . وهذا العامل عضو فى جماعة الإخوان . فماذا تقول يا أستاذ هضيبى . مع أن الملك استقبلك فى قصره على أثر تعيينك رئيسًا للجماعة ، وأفاضت الصحف فى وصف حرارة الاستقبال وثقة الملك بك » .

     ولما لم يرد الأستاذ الهضيبى مضى المراغى قائلاً : « اسمع يا أستاذ لقد طلب منى صديقى عبد اللطيف أن أقابلك . وها أنا ذا أقابلك على أساس أن نتكلم على الحال الحاضرة . وأود أن أعرف منك وجهة نظركم ومآخذكم عليها . وأعدك بأن أتعاون معكم على القيام بإزالة كل ما نراه مخالفًا للمصلحة العامة » .

     ولكن الأستاذ الهضيبى ظل ينظر إلى المراغى متشككًا كأنه يحاول جره إلى مصيدة دون أن يرد .

     قال المراغى : يا استاذ هضيبى هل ترى كل شىء على ما يرام ؟

     قال الهضيبى : إننى لا أجد شيئًا يدعو إلى الملاحظة .

     قال المراغى : أرى أنك لا تثق بى . فهل تثقون بأمريكا أكثر منا ؟

     قال عبد الحكيم عابدين : ما هذا يا أستاذ مرتضى .

     قال المراغى : نعم ! إن الأمريكيين يرون فيكم حاجزًا قويًا ضد الشيوعية ، باعتبار أن دعوتكم إسلامية وأن الإسلام ضد الشيوعية . ويحاولون كثيرًا الاتصال بكم .

     قال عبد الحكيم عابدين : قد يكونون متفقين معنا فى وجهة النظر .

     كل ذلك والهضيبى لا يتكلم .

     قال المراغى : يا أستاذ هضيبى ، أليس لديك شىء تقوله ؟

     قال الهضيبى : وماذا تريد أن أقول ؟

     قال المراغى : لقد جئت هذا الاجتماع بقلب مخلص لنتعاون معًا على إزالة أسباب تذمر الشعب ، لكنى أرى بوضوح أنك لا تريد ذلك . ولا أدرى لماذا طلب إلىَّ أن أجتمع بك .

     ويضيف المراغى أنه وجد ألاَّ فائدة من الحوار ، فنهض وانصرف وقد رأى ـ فيما يقول ـ البون الشاسع بين الهضيبى وبين المرحوم الأستاذ حسن البنا .

     ويضيف المراغى أنه لا مناص هنا من أن يبدى كلمة عن الإخوان ، فيبدى أنهم بدأوا دعوة أساسها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من الناحية الدينية ، ثم العمل على نشر العدالة الاجتماعية والمساواة بين الطبقات وإنهاء الاحتلال البريطانى . ولقيت دعوتهم صدى كبيرًا فى نفوس الشباب الذين لم تتدنس نفوسهم بعد بالفساد وهم يتطلعون إلى مستقبل أفضل لهم ولبلادهم ويريدون أن يمحوا عار الاحتلال البريطانى عن وطنهم . وأخذت الجماهير تتسابق إلى الالتحاق بالدعوة . ووجدت الحكومات فى هذه الدعوة خطرًا عليها فحاربها الوفد ثم حزب السعديين من بعدهم . وكان القصر يخشاها أكبر خشية . وساعد على محاربة الدعوة ، الاغتيالات السياسية وعمليات النسف التى قام بها التنظيم السرى للإخوان .

     ويرى المراغى أن التنظيم السرى كان المارد الذى عجزت الهيئة العليا للإخوان عن السيطرة عليه ، وهو يعتقد أو يظن ـ أن الأستاذ حسن البنا روع بالاغتيالات ، فصرح بالصحف بأن القتلة ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين ، ورأى غير المراغى أنه تصريح دبلوماسى للتهدئة والتنصل ، بينما يرى المراغى أن الإخوان أصبحوا لا حول لهم ولا قوة إزاء التنظيم السرى ، ولم يستطع الأستاذان البنا والهضيبى الحد من قوة ذلك الجهاز أو السيطرة عليه .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *