رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

     وعلى غير أسلوب الدكتور مندور الذى ربما تأثر بخلافاته الكثيرة الشديدة مع الأستاذ  العقاد ، نرى الدكتور شوقى ضيف  أستاذ اللغة العربية بجامعة القاهرة ، ورئيس مجمع اللغة العربية من سنة 1996 حتى وفاته سنة 2005 ، يتناول « الوحدة العضوية للقصيدة » ، فى كتابه المتميز الذى تعددت طبعاته : « فى النقد الادبى » ـ فيورد أن هذه الوحدة العضوية فيما يتفق عليه النقاد ـ توجب أن تكون القصيدة الشعرية بنية حية تامة الخلق والتكوين ، فليست القصيدة ضربًا من المهارة فى صياغة أبيات من الشعر ، وإنما هى بناء بكل ما تحمله كلمة بناء من معنى ـ إنها عمل تام ينقسم إلى وحدات هى الأبيات ، ولكن كل بيت خاضع لما قبله ، لا تحجزه عنه خنادق ولا ممرات ، فهو خيط من النسيخ يدخل فى تكوينه ويساعد على
تشكيله .

    ليست القصيدة إذن خواطر مبعثرة ، وإنما هى مجموعة من عناصر مترابطة متداخلة تصوغها بصيرة الشاعر .

      ومن الحق ـ فيما يقول ـ « أن القصيدة العربية لم تكن تعرف هذه الوحدة العضوية معرفة واضحة قبل عصرنا الحديث إلاَّ نادرًا ، حيث كانت القصيدة أشبه بمتحف لموضوعات مختلفة ، ما بين وصف الأطلال والديار والنسيب ، ثم الاستطراد إلى وصف الصحراء وحيواناتها الأليفة والوحشية ، ثم الإنتقال إلى الغرض الأساسى للقصيدة من الفخر أو المدح ، او الهجاء أو الاعتذار أو الرثاء ، وربما ختمها الشاعر بالحكم والأمثال .

    وكان كل بيت فى القصيدة وحدة قائمة بذاتها ، وقلما تظهر له صلة بما قبله أو بعده ، حتى غدت مقدرة الشاعر تقاس ببيت واحد كانوا يسمونه « بيت القصيد » .

   « وهكذا دار ـ النقد والشعر ـ فيما يضيف ـ على وحدة البيت ، فلم تعرف « وحدة القصيدة » إلاَّ فى النادر ، بل وعدوا اتصال البيت بما قبله أو بعده عيبًا يزرى بالشعر وصاحبه .

    «  وهكذا لم تنضج فكرة التجربة الشعرية فى نفوس شعرائنا السالفين ، وإِنْ ظهر أفذاذ مثل أبى تمام وابن الرومى والمتنبى وأبى العلاء المعرى ، ولكن القصيدة لم تكن تنفصل عندهم انفصالاً تامًا عن القديم .

    «  وكان خليل مطران من أوائل شعرائنا الذين لاحظوا فى عصرنا الحديث النمو العضوى فى القصيدة الأوروبية ، فعمل جادًا ـ فيما يقول الدكتور ضيف ـ على التحول بكثير من قصائده إلى هذه الصورة الجديدة ، وأشار إلى ذلك فى الشعر العصرى فى مقدمة ديوانه .

    «  إلاَّ إن فاتحة القرن العشرين ـ كانت ـ فيما يقول ـ جيلاً من الشعراء المجددين ، على رأسه عبد الرحمن شكرى وإبراهيم المازنى و عباس العقاد ، وكانوا يقيمون تجديدهم غالبًا على ما استقر فى القصيدة الغربية من وحدتها العضوية ، وكان العقاد ـ فيما يضيف ـ أكثر الثلاثة حديثًا عن هذه الوحدة فى كتاباته ، وجعلها المحور الذى دار عليه نقده لشعر أحمد شوقى فى كتاب « الديوان » الذى ألفه ومعه المازنى » .

    ومن قول الأستاذ العقاد فى الديوان ـ فيما يشير الدكتور ضيف :

    « إن القصيدة ينبغى أن تكون عملاً فنيًا تامًا ، يكمل فيها تصوير خاطر أو خواطر متجانسة ، كما يكمل التمثال بأعضائه والصورة بأجزائها واللحن الموسيقى بأوزانه بحيث لو اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخلّ ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها  .

   « وانبرى العقاد ينتقد شوقى على هذا الأساس ، وعرض لطائفة من قصائده فى الرثاء ، ولاحظ عليها التفكك والتخلخل وأن من الممكن أن تغيَّر مواضع الأبيات فيها ، فلا يختل بناؤها ، بل من المبالغة أن يقال إن لها بناء ، فهى ليست أكثر من كومة مهوشة من الأبيات ، ولذلك يمكن أن تُرتّبَ ترتيبًا جديدًا ، بل ترتيبات مختلفة ، يقول : « وكأنما القريحة التى تنظم هذا النظم ومضات نور متقطعة لا كوكب صامد متصل الأشعة يريك كل جانب وينير لك زاوية وشعبة » .

    « وهو نقد يُرَد إلى اختلاف المنهجين عند شوقى والعقاد فى تأليف القصيدة ، فشوقى يؤلف قصائده على النهج القديم القائم على وحدة البيت ، وما يصدق عليه فى هذا الصدد يصدق على شعراء العربية من قبله . والعقاد يرى ان تؤلف القصيدة على نهج جديد ، هو نهج الوحدة العضوية النامية . وألح على توكيد هذا المعنى فى الأذهان تارة بما يكتبه من نقد ، وتارة بما ينظمه من شعر » .

    وفى حديثه عن الخيال ومعناه ودوره فى الشعر ، ختم الدكتور شوقى ضيف فى بيان أن الشعر ليس إبهامًا ولا غموضًا ـ فقال :

   « وحرى بالشعراء جميعًا أن يعودوا ثانية إلى عالمنا ، وأن يطمئنوا إلى أن الشاعر الكبير لا يحتاج بعدًا ولا إغرابًا ولا تغلغلاً فى عوالم غريبة ، إنما يحتاج إحساسًا عميقًا بواقعنا وحياتنا ، وحياة الكون من حولنا وما انبث فيه من أسرار لا حصر لها ، وحسبه أن يؤلف من ذلك كله تجربة ، تجمع أشتاتًا منه فى رباط محكم ، يوثقه خيال حى نشيط يعرضها فى خلق جديد ، فنقول إنه خيال رائع بديع » .

*              *           *

     وعن الوحدة العضوية للقصيدة عند العقاد ، ونظريته فى الشعر وأثر البيئة ، والمنهج النفسى ، تحدثت باستفاضة الدكتورة زينب عبد العزيز العمرى فى كتابها الضافى : « شعر العقاد » ـ وأصله الرسالة التى حصلت بها على الدكتوراة .

    وعن نظرية الشعر عند العقاد فقد تناولناها  كثيرًا ، هى وأثر البيئة فى الشعر الذى ناقشناه عند تعرضنا لكتاب العقاد : « شعراء مصر وبيئاتهم فى الجيل الماضى » ، وكذا منهجه النفسى الذى تناولناه فى تعرضنا لكتابه عن أبى نواس الحسن بن هانئ ، ولذلك سنتوقف عند ما أوردته الدكتورة زينب العمرى عن الوحدة الفنية والوحدة العضوية .

      وأبرزت المؤلفة أن الوحدة الفنية للقصيدة من أهم القضايا التى تعرض لها العقاد وظل ينافح عنها طوال حياته الأدبية ، وحمل بها حملة عنيفة على أحمد شوقى ، وهلهل قصائده لكشف روح التقليد للقدماء فى تفكك القصيدة الواحدة ، ومما أورده ابن طباطبا فى كتابه
« عيار الشعر » ، ويضع فيه مقياسًا لكيفية بناء الشعر القديم وفهم النقاد القدماء إزاء عملية الأبداع ذاتها ، قال ابن طباطبا :

     « إذا اراد الشاعر بناء قصيدته ، مخض المعنى الذى يريد بناء الشعر عليه فى فكره نثرًا ، وأعدً له ما يلبسه إياه من الألفاظ التى تطابقه والقوافى التى توافقه والوزن الذى يَسْلُسَ له القولُ عليه ، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذى يرومه ، أثبته ، وأعمل فكره فى شغل القوافى بما تقتضيه من المعانى على غير تنسيق للشعر ، وترتيب لفنون القول فيه ، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه على تفاوت ما بينه وما قبله ، فإذا كملت له المعانى ، وكثرت الأبيات ، وفق بينها بأبيات تكون نظامًا لها ، وسلكًا جامعًا لما تشتت فيها ، ثم يتأمل ما قد أداه إليه طبعه ونتجته فكرته فيستقصى انتقاده ، ويرمُّ ما وَهَى منه ، ويبدل بكل لفظة مستكرهة لفظة سهلة نقية ، وإن اتفقت له قافية قد شغلها فى معنى من المعانى ، واتفق له معنى آخر مضاد للمعنى الأول . . نقلها إلى المعنى المختار الذى هو أحسن ، وأبطل ذلك البيت ، أو نقض بعضه ، وطلب لمعناه قافية تشاكله ، ويكون كالنساج الحاذق الذى يفوف وشيه بأحسن التفويف .. ولا يهلهل شيئًا منه فيشينه ، وكالنقاش الرفيق الذى يضع الأصباغ فى أحسن تقاسيم نقشه .. ويقف على مراتب القول والوصف فى فن بعد فن ، ويتعمد الصدق والوفق فى تشبيهاته ، وحكاياته ، ويحضر لبه عند كل مخاطبة ووصف  » .

      وأغلب الظن ـ فيما عقبت الدكتورة زينب ـ أن الشاعر الذى يتبع هذا الطريق سيجد نفسه فى نهاية الأمر ليس كالنساج الماهر ، ولكن كالمرقع الأخرق الذى لا يراعى اتساق الرقع ، ولا التناسب بين ألوانها .. وكلام ابن طباطبا وغيره من نقاد العرب القدماء ، هو الذى جعل النقاد المحدثين يصفون الشعر القديم كله بانعدام الوحدة العضوية ، وقد غلبت فى كتب النقد القديم عبارات مثل : أشعر بيت ، وأغزل بيت ، وبيت القصيد ، إلى مثل ذلك من الأحكام التى تجعل من البيت وحدة مستقلة عن باقى أجزاء القصيدة .

    وأوردت الدكتورة زينب أن العقاد تصدى لهذه القضية بكل عنف ، فتناول شعر شوقى بالتفريق والتشتيت ، وأتى بأواخر الأبيات مكان أوائلها ليدل بذلك على افتقاد شوقى للوحدة العضوية ، وأضافت أن الأستاذ العقاد اعتبر  الوحدة العضوية للقصيدة ، من مقومات الشعر الحديث ، وعاب على شوقى وأضرابه جعلهم البيت من الشعر وحدة قائمة بذاتها ، محافظين بذلك على عامود الشعر العربى القديم .. فهل استطاع العقاد الشاعر الالتزام بهذا الحد الذى كان من أبرز مبادئ مدرسة الديوان النقدية ؟

    وأجابت الدكتور زينب بأن الحقيقة أنه استطاع أن يلتزم بهذا المبدأ ـ إلى حد كبير ـ بخاصة فى ديوانيه « عابر سبيل » و « هدية الكروان » ، فعابر سبيل يضم مجموعة من القصائد والمقطوعات الصغيرة التى تتناول الحياة اليومية العادية بكل مشاهدها المألوفة البسيطة … قهو يتحدث عن فكرة أو لقطة ، أو مكان أو أى شئ آخر متأثرًا بهذه النظرة العابرة التى لا تستطيع أن تحيط إلا بجزء صغير هو الذى يشد انتباه الشاعر ، ويستفزه لقول الشعر ، لذلك نستطيع أن نقول ـ باطمئنان ـ إن هذا الديوان « عابر سبيل » قد تمثلت فيه الوحدة العضوية بصورة طبيعية ، وأنه واضح أيضًا فى ديوان « دعاء الكروان » الذى وجه العقاد حديثه فيه إلى الكروان ، أنه حقق بجانب وحدة الموضوع  ـ وحدة البناء ، ووحدة الجو النفسى الذى بدأ به الأبيات ، ثم أضافت أن الأجزاء الأولى لديوان العقاد الأول ، والتى نشرت قبل نشر كتاب الديوان ، تحققت فيها الوحدة الموضوعية فى معظم الديوان ، وأنها لم تعثر فيه على قصيدة متعددة الأغراض ، واستشهدت فيما استشهدت بقصيدة « كأس الموت » ، وبقصيدة « ثورة نفس » التى وجهها العقاد إلى صديقه عبد الرحمن شكرى ، وما فيهما من قوة وعذوبة فضلاً عن وحدة الموضوع .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *