رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

الولوع بالأعراض دون الجوهر

      من العيوب التى رصدها العقاد على شعر شوقى والمقلدين بصفة عامة ، الولع بالأعراض دون الجوهر ، واتخذ رثاء شوقى لمصطفى كامل مثلاً على هذا الولع ، وعلى أنماط التقليد ومذاهبه ، والفرق فيما يرى ـ بين الولع بالأعراض دون الجوهر وبين أنماط التقليد ومذاهبه ـ هو كالفرق بين الخطأ واللعب والشغف والعبث ، وأن لكل منهما سبب يمت به إلى الآخر ، إذا تشابها فى الصدور عن طبع أعوج وعقل فارغ . وقد يسهل التفطن إلى الإحالة ، ولكن التفطن إلى هذا الضرب من العبث عسير على من لا يدركه بالبداهة .

      والعقاد يدعو القارئ إلى النظر إلى هذا البيت لشوقى :

دقات قلب المرء قائلة له :              إن الحياة دقائق وثوانى

      فهذا البيت ـ فيما يقول ـ هو « بيت القصيد » فى رأى عشاق شوقى ، فما هو المعنى الذى يشتمل عليه ؟

      يجيب بأن معناه أن السنة أو المائة سنة التى قد يعيشها الإنسان مؤلفة من دقائق وثوانى ، وهذا هو جوهر البيت . فهل إذا قال قائل : « إن اليوم أربع وعشرون ساعة ، والساعة ستون دقيقة » يكون فى عرف المعجبين بشوقى قد أتى بالحكمة الرائعة ؟! ولكنهم يقولون : « إنه قرن بين دقات القلب ودقات الساعة ، وهذه هى البراعة التى تعجبنا ، وبها هدانا إلى واجب الضن بالحياة » .

      وهنا ـ فيما يعقب ـ يبدو للنظر قصر المسافة التى يذهبون إليها فى إعجابهم ، وأن بلاغتهم المزورة لا تتعلق بالحقائق الجوهرية والمعانى النفسية ، بل بمشابهات الحس العارضة ، وإلاَّ فلو قورن بين الساعة والقلب أيام أن كان الوقت يقاس بالساعات المائية أو الرملية ، فهل يفهم لهذه المقارنة معنى ، حيث لا توجد « دقات » للساعات المائية وللساعات الرملية ؟ وهل لدقات القلب الخالدة علاقة حقيقية بدقات الدقائق والثوانى يستنبط منها الإنسان سر الحياة ؟! وهل بهذه العوارض يقدر الأحياء نفاسة حياتهم ؟ وهل يتوقف المعنى الذى ينظم فى الحياة الإنسانية على علاقة سطحية باختراع طارئ ؟

      لقد ذكر ـ فيما يقول ـ فى نقده لرثاء شوقى لمحمد فريد : « إن الحقائق الخالدة لا تتعلق بلفظ أو بلغة لأنها حقائق الإنسانية بأسرها قديمها وحديثها عربيها وأعجميها ، ونعيد هذه الكلمات هنا ، ونزيد عليها أن الحقائق الخالدة لا تتعلق بفترة محدودة ، ولا تقوم على مشابهة زائلة » .

      ولا يختلف أحد من النقاد على وجوب عدم الانصراف إلى الأعراض دون الجوهر ، ولكن قد يقع الاختلاف فى التطبيق ، والدكتور مندور وإن ساق فى إطار التأييد والإعجاب بكلمات العقاد أن الشاعر يجب أن يشعر بجوهر الأشياء ، إلاَّ أنه يرى أن الأستاذ العقاد تعسف فى التطبيق فى نقده لشعر شوقى ، وأن المقاييس الفرعية التى استخدمها الأستاذ العقاد فى نقد معانى شوقى ، منها ما تحدث عنه نقاد العرب القدماء مثل « الإحالة » أى المبالغة فى المعانى مبالغة مسرفة ، فقد التفت إلى ذلك نقاد العرب القدماء كالآمدى والجرجانى وغيرهما ، وإن اختلفوا بعد ذلك فى منهج التطبيق .. فرأى بعضهم إحالـة فيما لا إحالة فيه وإن يكن الأستاذ العقاد قد أخذ يفرع فى ضروب الإحالة فيقول : « أما الإحالة فهى فساد المعنى وهى ضروب : فمنها الاعتساف والشطط ، ومنها المبالغة ومخالفة الحقائق ، ومنها الخروج بالفكر عن المعقول ، أو قلة جدواه وخلو مغزاه » . ثم يأخذ بعد ذلك فى ضرب أمثلة لكل هذه الأنواع من الإحالة فى شعر شوقى ، والكثير منها جدير بالنقد وإن لم يخل عدد منها من التعسف ، والقسر .

      ويمضى الدكتور مندور فى اختلافه مع الأستاذ العقاد فيقول : « وباستطاعتنا أن نبرز نفس الملاحظات على المقياس الذى سماه العقاد « الولوع بالأعراض دون الجوهر » فالعقاد يريد أن يأخذ الشاعر بالغوص وراء المعانى الخفية . وإغفال المظاهر الحسية للأشياء والطبائع والخطأ هنا يأتى ـ كالعادة ـ من التعميم . فما يطالب به العقاد قد يتمشى مع شعر الفكرة ، ولكنه يتجاهل مدرسة كبيرة فى الشعر كمدرسة « البرناسيين » التى كانت ترى أن الشعر تجسيم ورسم ناطق .. وكل ذلك فضلاً على أننا لا نعلم على وجه التحقيق تلك الجواهر التى يقصد إليها العقاد ، وهل يريد أن يحيل الشعر إلى فلسفة وميتافزيقا على نحو ما حاول أن يقول فى مقدمة ديوانه « بعد الأعاصير » الصادر سنة 1950 حيث نراه يدافع عن شعر الفكرة فى حماس بالغ ، مع أن زميله عبد الرحمن شكرى كان قد حل هذه القضية ، وفض الجدل بطريق إنشائى رائع عندما تحول الشعر الفكرة أو الأفكار بين يديه إلى تأمل وجدانى . فشكرى وإن يكن فكرى النزعة إلا أنه لم يحاول أ، يودع قصائده الرائعة جواهر أو حقائق ، وإنما أودعها انفعالات وجدانه الحى العميق إزاء حقائق الحياة وجواهرها على نحو ما فعل فى القصيدة التى يخاطب فيها المجهول » .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *