رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

    ربما بدا ظاهريًّا ، أو للوهلة الأولى ، أن الفصل الذى عقده الأستاذ الدكتور زكى نجيب محمود بعنوان « العقاد كما عرفته » ـ يخرج عن نطاق موضوعنا هنا وهو يتناول نظرية الشعر عند العقاد ، بيد أن التمعن يثبت أن فيه ما لا ينفصم عن نظرية الشعر عنده ، فقد تناول الدكتور فيما تناوله في هذا الفصل الشيق ، تناول أمرين يتعلقان بنظرية الشعر عند العقاد ، أولهما إشارته إلى ما كان له ـ للمؤلف ـ مع قصيدة « ترجمة شيطان » ، حين شارك باحثًا متحدثًا في برنامج « العالم العربى اليوم » الذى أعدته جامعة لندن سنة 1946 ، فاختار أن يتحدث عن « العقاد الشاعر » ، وحرص على أن يقدم للسامعين ترجمة شعرية
إلى الانجليزية من شعر العقاد ، وفى مقدمة المختارات جزء من قصيدته الكبرى « ترجمة شيطان » ، فكان الأثر الذى احدثته شاهدًا على أن العقاد شاعر عظيم ، يحتفظ
شعره بقيمته فى « الترجمة » أمام أعين النقاد .

         وعن هذه القصيدة كتب الدكتور زكى نجيب محمود إنه بعد قراءته لقصيدة « ترجمة شيطان » هذه القصيدة العجيبة الفريدة ـ بنص تعبيره ـ في الأدب العربى كله ، أراد أن يملأ البصر في صورة الرجل الذى كتب هذه القصيدة الطويلة يترجم فيها للشيطان فيوقفه موقف القدرة والعناد ، لا كما فعل ملتون في فردوسه المفقود ، ولا كما فعل أى شاعر على طول التاريخ الأدبى من أوله إلى آخره ، فها هنا زراية بالإنسان ليس بعدها زراية ، وإعلاء وتمجيد للفن ليس وراءه إعلاء وتمجيد ، ولماذا لا يزرى بالإنسان وقد شنها على نفسه حربًا هوجاء في الحرب العالمية الأولى . التى ما كادت تبلغ خراب ختامها ويبابه ، حتى كتب العقاد هذه القصيدة كأنما هى لفحة من نار الحرب وغيمة من دخانها ، وإنه الجدير هنا بالذكر أنه لم تمض بعد ذلك إلا سنوات قلائل حتى ظهرت في الإنجليزية أخت لها ، تنتمى معها إلى أسرة من الشعر واحدة ، وهى قصيدة اليوت « الأرض اليباب » .

    وتابع الدكتور ذكى نجيب يقول بحصر اللفظ :

      « في قصيدة العقاد يقول الخالف لمخلوقه الشيطانى إذ يطوح به من السماء إلى الأرض : اذهب وكن محنة للأبرياء ، فأضلل من الناس من تشاء ، وستطون الجحيم مأواك ومأواه ؛ فهوى الشيطان على الأرض صفر الراحتين ، خاوى الزاد ، فأين يمضى ورحاب الأرض واسعة ، إن رسالته هى أن يبذر للشر بذوره ، وليست الحيرة هى : أين يجد التربة صالحة لبذر هذه  البذور ، كلا فلا حيرة في ذلك ، لأن الأرض صالحة لبذوره أينما ألقاها ، وإنما الحيرة هى : أى أصقاع الأرض يبدأ بها سيرته ؟ وما هو إلا أن سخر الشيطان من نفسه ومن رسالته التى هبط الأرض من أجلها ، لما رآه من تفاهة الإنسان وضآلته ، وسرعان ما فكر له فى مكيدة سهلة ألقاها فأصابت ، وما مكيدته تلك إلا أن يوهم الناس بشىء من صنعه ، يطلق عليه اسم « الحق »  ثم يقذف به فيهم ويأوى إلى الراحة فما حاجته الآن إلى سعى ونشاط ؟ إن هذا « الحق » الخلاب سيكفيه مؤونه التضليل الذى جاء من أجله ، وصدقت فراسته ، فمن أجل « الحق » الموهوم دبت الخصومة بين الأصدقاء ، وبات «الحق» سلاحًا لكل من أراد سلاحًا ، أيريد الخبيث أن يستر خبثه عن الناس ؟ إذن فليسمه حقًا ، أيريد الضعيف أن يلتمس المعاذير لضعفه ؟ إذن فليقل إنه ابتغاء وجه « الحق » قد زهد في الكفاح ، أيريد المعتدى أن يسوغ اعتداءه حتى ينزل سيفه على رقاب الناس بردًا وسلامًا ؟ إذن فمن أجل « الحق » سل الحسام ؛ نعم إنه هو هذا « الحق »  الذى جهل حقيقته الجاهلون ، وراحوا ينشدونه فضلوا ، وهو نفسه « الحق » الذى ابتغاه الحكماء، فلما استعصى عليهم حسبوه سرًا تعالى أن يبلغه البشر ، لله ما أعجبه من فخ شيطانى فظيع ! فهذا عبد مستذل ، يقال له إن إذلاله هو « حق » لسيده ، وهذا سيد مفتر طاغية يدعى ان قوته هذه مستمدة كلها من « الحق »  وجهًا لوجه وعينًا لعين ، فإذا أزلت عن عينيك الغشاوة لترى هذا« الحق » وجهًا لوجه وعينًا لعين ، فماذا ترى سوى طعام يلهث في سبيله البطن الجائع ، ومأوى يلوذ به الخائف ، وذهب يخطب الأنظار ببريقه ، فلو شبع الجائع وأمن الخائف ومات صاحب الذهب ، لاختفى من الوجود شىء يسمونه « الحق »  وما هو إلا تلك المطامع الحيوانية الدنيا .

    ولا شك أن نظم الأستاذ العقاد لهذه القصيدة ، التى تعمق الدكتور زكى نجيب محمود فيها  على نحو ما تقدم بيانه ، إنما يعبر وبمثال تطبيقى عملى عن نظرية الشعر عند الأستاذ
العقاد .

    أما الأمر الثانى الذى تناوله المؤلف في هذا الفصل ، ويتعلق بالموضوع ، هو ما كان من الأستاذ العقاد مقرر لجنة الشعراء في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *