رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

     يستأنف الدكتور زكى نجيب محمود تحليل قصيدة الأستاذ العقاد « ترجمة شيطان » ـ فينقل عن القصيدة أن الجنة سكنت سكونًا رهيبًا ، ووقف الشيطان أمام ربه ، وما هو إلاَّ أن دوى فى رحاب الخلد هاتف هز الأرجاء . فمن الهاتف يا ترى ؟ إنه الروح العصىّ الذى دب فى نفسه الحسد ، وأخذ منه الغيظ واستصغر الكون وازدرى الخلود ، لأنه يريد أن يكون له المُلْك من دون الله ، وعبثًا يقال له هذا وغيره ، لأن طغيانه قد جَنَح به حتى اعتبر أن مجرد السماع ـ عقاب ، بل أشد العقاب ، لأنه يطمح أن يكون وحده هو صاحب القول وأن ينصت الآخرون له ، فكيف بهم يوجهون اللوم إليه .

       وجعل الشيطان فى انفلاته وشطحاته يقول لربه : « لست أريد بخطابى هذا مسالمة ولا مهادنة ، فلئن كنتَ أنت المولى ، فأنت مولى الموالى ؛ فيا أيها المولى هأنذا أعلن المروق  والعصيان على سيدى ، وإذا عصى عبد على سيد ، فالسيد هو أولى بالرثاء من عبد فقد سيده ؛ فلا يغضبنك ـ أيها المولى ـ أن يعصى واحد من عبيدك لأنه غير راضٍ ، وقل إن شئت إنه عبد سوء رفض الخلد ؛ ولا تعاجلنى باللوم على موقفى هذا ، لأننى سأكفيك مؤونة اللوم ، وسأتولى بنفسى تأنيب نفسى ، فأنا لا أعرف المجاملة حتى مع نفسى ،  ولو وجدتها جديرة بالذم لذممتها ، فلا حرج عندى فى ذلك ، لأننى أجد الذم والثناء على حد سواء ؛ وعلى أى شىء تلوم ؟ ألائمى على كفرى بنعمتك ؟ ولكن أين هى النعمة حتى يقال إنى كفرت بها ؟ إنك فى هذا لتقيسنى إلى قوم يشكرونك على نقمتك وما أنا من هؤلاء ؛ إنك فى هذا كمن يعطى العشب للآساد ثم يعجب كيف لا تأكل وتشكره على هذه النعمة ؟ وإنما العشب يكون للشاء ، ولا عجب أن تفوز الشاء بالطعام فتحسب طعامها وسيلة خودها ، فإن كان فى ذلك كله حكمة ، فهى إذن كحكمة العاهل الذى يحكم الناس فى ملكه بما ليس يفقهون ، فالويل لمن يسأل منهم سؤالاً ، والأمن لمن يمضى فى جهله يأكل ويشرب ولا يسأل أين ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟ فهكذا يا رب تصب الشقاء على من يحاول الكشف عن حكمة القدر ، دون من يقف ليشك فينكر فيعصى ، كأنما الواجب فى الحكم هو أن يترك الستر مسدولاً على سره .

      « اللهم ، إن وجدت من يرضى عن هذه الأقدار ، فانْعَمْ بهم ما شئت ، وأفسح لهم من جنانك ، لأنهم ـ فى الحق ـ نعم العتاد للمالكين ، فهم الراضون أبدًا الطائعون الطيعون أبدًا ؛ فالخلد عند هؤلاء هو أن يجدوا كفايتهم من قوت ومأوى ، فلا فرق بين الضب الذى يستقر آمنًا فى جحره ويحسبه فردوسًا من السماء ، وبين الإنسان يوضع لرجائه حد أقصى لا يجاوزه فيرضى به شاكرًا ؛ إننى أواجه يا رباه بالصدق ، والصدق مُر ، فلا تعاجلنى بالسكوت ؛ أم تحسب أن قول الصدق لا يتفق مع شيطان غوى ؟ والصدق خير وسيلة لإهلاك صاحبه ، فما رأيت صدقًا قد عاد على قائله بالخير أبدًا ، وإنما يعود بالخير قول الزور والبهتان والهوى ؛ أفليس هذا عجيبًا أن يكون عالمًا لا يهلكه الباطل ، ويودى به قول الحق ؟ نعم ، فبلوغ الإنسان منزلة الحق الخالص معناه تجرده عن أهوائه ونزعات طبائعه ومطالب اللحم والدم فى كيانه ـ لأن هذه كلها أشياء لا تجرى مجرى العقل وأحكامه ـ وفى هذا نذير بالهلاك .

     « كيف يكون الرضى بأن تكون ثمرة الكون كله والخلق كله والرقى كله ـ راحة يستريح بها المستريح فى الجنة سدى ، فلا يشغلها بعلم ولا فن ؟ لماذا تسدّ أمام هذا أبواب الطموح والرجاء ؟ هل يرضى بالوقوف لأنه  يعاف السمو ، أم لأنه يجهل أن وراء غايته غاية أبعد ، أم لأنه يعلم أن وراء شأوه شأوًا ، ويريد بلوغه لكنه عاجز ؟ إن كل هذه الحالات الثلاث انتقاص من الخلد الذى قلت إنه من نصيب أصحاب الجنة ، إذ كيف يتفق خلود وقيود ؟ ألا ما أشدّها غفلة من الفانين أن يحسبوا فناءهم ضربًا من الخلود . فيخلطوا بين امتداد الزمن وبين البقاء الذى يعلو على قيود الزمن ؛ وما أشد غفلة الغافلين إذا هم حسبوا الخلد فى نيل المنى ، لأن أحقر الديدان تبلغ مأمولها ! إنما الكمال الحق الجدير بالتمنّى هو أن يبلغ الإنسان منزلة لا يعود بعدها سؤال ، وتلك منزلة لم يجعلها الله من قسمة مخلوقاته ، لأنه يريدهم سائلين نعمته أبدًا  .

*         *         *

    فيا لها من قولة قالها الشيطان ! فها هنا أظلم السَّنَى ، وتحولت شعلة الشيطان الثائر حجرًا ، حيث أخمد سبحانه جذوة الشيطان لا انتقامًا منه فتعالى الله عن ذلك ، وإنما رحمة بالخلق أن يفسدهم  هذا الرجيم .. فقال الله : كن صخرًا ؛ فكان الشيطان صخرًا  .

     ولكن هل زالت غواية الشيطان بعد أن خَبَتْ شعلته وتجمد صخرًا ؟ كلا فهيهات أن تتغير الطبائع ، فالغوى ما يزال غاويًا ، وهو هذه المرة يغوى الناس « بالفن » الذى قد تحوّل إليه ؛ فإذا ما صادفتَ تمثالاً يفتنك بسحره ، أو إذا رأيت صنمًا معبودًا ، فاعلم أن ذلك التمثال وهذا الصنم هو هو نفسه الشيطان بعد أن تحول حجرًا ؛ فتعجب ما شاء لك التعجب ، فقد تفنى الروح وقد يفنى الجسد ، لكن الكيد باقٍ لا يزول .

      وكما غضب الله على هذا الشيطان ، فقد غضب عليه كذلك كبير الشياطيـن ـ إبليس ـ وأنكر أن يكون واحدًا من أسرتهم ، إذ متى كان الشيطان من الحماقـة بحيـث يقـع فـى الشرك ؟ فمن أين أتى هذا المسخ الذى لا هو من الأملاك الخلّص ولا هو من الشياطين الخلّص ؟ لعل شيطانة أغوت مَلَكًا ذات مرة ، فأنسلا هذا الشيطان ، فجاء هجينًا من أملاك وشياطين وإلاَّ فكيف بلغ به الطيش أن يقول الحق صريحًا ؟ فباء صاحبنا بالسخط فلا شيعته رضيَت عن مسلكه ولا رضى عنه الأعداء … وتلك هى نهاية النوابغ دائمًا : يهتفون بالحق ،  فيتنكر لهم أصحاب الغىّ وأصحاب الرشاد جميعًا  .

*        *         *

    ذلك هو الشيطان الذى ترجم له العقاد فيما يقول الدكتور زكى نجيب محمود ، فهل العقاد متمرد ، هل العقاد طموح . فهل رأيت متمردًا أو طموحًا قد عبّر عن تمرده وعن طموحه بهذه الصورة ؟

     نعم فيما يجيب ، فقد تناول كثيرون موضوع الشيطان وموضوع الجنة فى أدبهم شعرًا ونثرًا ، وتوشك ألا تخلو من هذا أسطورة منذ أقدم العصور .

   المصريون الأقدمون صوروا الجحيم وما يحتويه من ألوان العذاب ، والجنة وما فيها من نعيم .

     وفى أساطير البابليين هبطت « عشتروت » إلى الجحيم لينبعث « تموز » إلى الحياة .

    وفى ديانة الفرس القدماء أن لكل من الجحيم والفردوس إله يرعاه ، ولا تنقضى المعركة بين « أهورامازدا » إله الخير و« أهريمان » إله الشر .

      وكذلك فى موروث الهند .

      ويذكر هوميروس عالم الجحيم وعالم النعيم .

     وهذا هو أيضًا موضوع رسالة الغفران للمعرى ، ثم الكوميديا الإلهية لدانتى ، وقصة الشيطان فى « فاوست » لجوته ..

     ولكن الشيطان الذى يصوره الأستاذ العقاد « مبتكر » ـ فيما يعقب الدكتور زكى نجيب محمود ، فوسيلته فى الغواية هى « الحق » خلافًا لكل شياطين الأدب التى كانت تغوى بالباطل .

    والشيطان الذى ترجم لهم العقاد ـ قد كفر بالشر ، ولم يحدث أن شيطانًا قبل ذلك قد كفر بالشر أو يئس منه . كذلك رفع إلى الجنة ثوابًا له على كفره بالشر ، ولم يُرفع شيطان إلى الجنة من قبل !   

     ويحلو للدكتور زكى نجيب محمود ـ فيما يضيف ـ أن يقارن خطاب الشيطان عند العقاد بخطاب الشيطان فى الفردوس المفقود لملتون ، فالشيطان عند العقاد لم تلن قناته أبدًا.

   وخلاصة ما انتهى إليه فيلسوف الأدباء أو أديب الفلاسفة ، أن الصورة تنجلى حين تضع « الحاكم المستبد » قبالة « المفكر الحر » .. فيبدو أن العقاد الشاعر إنما يترجم لحياة كل مفكر حر يثور فى وجه الطغيان ، وحتى إذا ما استطاع الطغيان أن يخمد جذوته ، فإن فكره يظل خالدًا فى نفوس الناس لا يفنى .

      وإذن فهذه القصيدة الكبرى هى ـ كبقية شعر العقاد ونثره ، بل كحياته الشخصية التى عاشها أبيًّا معتزًّا بنفسه ، دعوة إلى الحرية التى لا يشترى بها الفردوس ، إنْ كان فى الفردوس ما يحول دون بلوغها غاية شأوها .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *