رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

      عن هذا الشاعر اليونانى الأصل ، قسطنطين كفافى ، الذى ولد سنة 1863 لأسرة يونانية هاجرت إلى مصر قبل ولاية محمد على الكبير ـ عنه وعن شعره كتب الأستاذ العقاد مقالاً نشر بجريدة الأساس لسان حال الحزب السعدى ، بعددها 24/8/1951 ) ، ونشر لاحقًا فى مجموعة « بين الكتب والناس » عام 1952 ، ولاحظ الأستاذ العقاد أن اليونان القديمة وإن كانت قد أنجبت نخبة من شعراء الطراز الأول فى الملاحم  والمسرحيات مما لم تسبقهم فيه أمة من الأمم ، إلاَّ أنها عقمت بعد طبقة أولئك الشعراء دهورًا طويلة منذ القرن الرابع قبل الميلاد ، ويمكن القول إنها لم تبرأ فى عصرنا من هذا العقم ، لولا أسماء قليلة لمعت فى سماء اللغة اليونانية فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، ومنها إسمان لهما بمصر صلة وثيقة وهما : « أنجيلوس سكليانوس » الذى نظم أكبر قصائده فى الصحراء الليبية ، و« قسطنطين كفافى » موضوع هذا المقال ، والذى ولد بالإسكندرية سنة 1863 ، ومات بها فى سنة 1933 .

      وقد جمعت أسرته من التجارة فى شواطئ البحر الأبيض ثروة وافرة ورث منها نصيبًا حسنًا ، قنع به وعاش عليه وترك التجارة لغيره وتفرغ لنظم الشعر ولما يطيب له من اللهو البرىء وغير البرىء بين الإسكندرية وبيروت وأنطاكية ومدن السواحل الشرقية ، حتى أدركه الأجل بعد حياة حفلت بالتجارب والمتع ، وبالسآمة والشكاية ، وآخرها الشكاية من السرطان .

      وقد اشتغل كفافى بوظائف الحكومة المصرية مترجمًا فى مصلحة الرى قبل أن يئول إليه الميراث الذى اعتمد عليه بقية حياته .

      وأورد الأستاذ العقاد أنه سمع من بعض أصدقائه أنه كان من أمراء الحديث والسمر ، واضطر تحت وطأة السرطان الذى أصاب حلقه للتوقف عن الكلام ولبث إلى أن مات يبادل أصحابه الحديث بالكتابة على الورق .

      وأضاف الأستاذ العقاد أن ديوانه ظهر فى هذه السنة ـ أى سنة 1951 تاريخ كتابة المقال ـ ظهر مترجمًا إلى الإنجليزية ، وتناوله النقاد فى الصحف الأدبية والإذاعات ، وغالى بعضهم فقال إنه « كتاب السنة » وإنه من طبقة من الشعراء لم يعهدها قراء الأدب الغربى الحديث منذ سنوات .

      ويرى الأستاذ العقاد أن فى ذلك مغالاة ، وأن موضع كفافى من المكانة الشعرية دون القمة وفوق السفح المنحدر ، وهو نموذج حى للعصر الإسكندرى أيام الاختلاط بين الثقافات والأديان ، وأن عليه مسحة من ألوان اليونانية الوثنية ومن العبرية نبت التوراة والمسيحية نبت الآباء الأولين ، ولا تخلو هذه المسحة من فلسفة الحياة الحسية فى عهد بطليموس وكليوباترة وجوليان .

      فإذا تكلم كفافى عن العصر الإسكندرى ، تكلم بحديث المتفرج الذى يلتزم الحيدة ويسوى بينها فى النظر دون تكلف ، ومذهبه فى الحياة مذهب الدعة والهوادة ، وفى فلسفته أسطورة مسلية لا عقيدة راسخة ولا حماسة ملتهبة .

      ويعرف القراء قصة « عولس » الذى لقى الأهوال فى رحلته إلى موطن زوجته وابتلى فيها بما ابتلى به السندباد البحرى من الشدائد والمفاجآت . فإذا ما تناول كفافى هذه القصة الهومرية ـ تراه مع عولس فى هذه الرحلة الطويلة ، ولكنه محب للرحلة نفسها ويود لو طالت قبل أن يصل عولس إلى وجهته .

       ويكاد الشاعر أن يوصى ضحايا الآلام ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بأن يتركوا القدر يفعل ما يشاء بغير مقاطعة على حد تعبير الشعراء ، وقدوته فى هذه الوصية أسطورة ربة البحر التى تزوجها الملك بيلوس وولدت له أبناء حسانًا فارتابت فى وراثة أبنائها منه لطبيعة الخلود ، وجعلت تقذف بهم إلى النار لتمتحن بها هذه الطبيعة ، لأن الخالدين يصمدون للنار ولا يحترقون ، فهجم عليها زوجها الملك وهى ماضية فى ذلك الامتحان ، وخطف منها الطفل « أشيل » قبل أن يلحق بإخوته الأولين  .

      ويرى كفافى أن شفقة الأب هنا مقاطعة للقدر ، فيما لا نزال نحن الهالكين نقاطع القدر كل يوم بمثل هذا الاشفاق ، ولكن العظمة نار لا غنى عنها للخالدين ، وعلينا إذا ما كنا ننشد العظمة أن نصبر على نيرانها .

      بيد أنه علينا أن ننسى بعد هذا وذاك ـ أن فلسفة الحياة حين نتحدث عن كفافى هى تسلية أساطير واستحسان متفرج يتنقل على هواه ، وليست عقيدة جازمة أو دراسة جدية حازمة أو إيمانًا يلتزمه صاحبه .

      وفى سيرة هذا الرجل ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ عبرتان ؛ إحداهما لدارس الأخلاق والطبائع ، والأخرى لدارس الآداب واللغات .

      فأما العبرة الأخلاقية فخلاصتها أن مراجعة هذه السيرة الفذة تنتهى بنا إلى حقيقة جديرة بالتأمل ، وهى أن حياة المتعة الحسية ليست أمتع ولا أشهى حياة ، حتى ولو كانت موفورة الأسباب لشاعر ألمعى مستريح من أعباء الكدح وضنك الحاجة . ومن يتصفح ديوانه يتوقف متعجبًا من تلك السآمة التى تنضح بها قصائده ومقطوعاته وكأنه عاف مائدة الملذات وما عليها .

       أما العبرة التى تعنى دارس اللغة والأدب ـ فيما يضيف الأستاذ العقاد ، فهى غيرة الشاعر اليونانى الإسكندرى على أساليب السلف فى لسانه مع انطلاق شعراء أثينا أنفسهم من قيود اللغة الفصحى وانحدارهم بالتعبير الشعرى أحيانًا إلى ما يشبه الزجل فى اللغة العربية ، وربما كان إحساسه بالنشأة الغريبة سر هذه الغيرة على النسبة القديمة إلى يونان القرون الأولى ، فهو سلفى أصيل حيث لا يصبر على الأصالة من نشأوا على أرض الآباء والأجداد ، ولم يحذروا الاتهام فى ميراثهم اليونانى كما حذره المغتربون عن الوطن منذ أجيال طوال ، وإن لم يكن سلفيًّا « لفظيًّا » عند محاكاة الأساليب .

      وأخيرًا فإنه لا ريب أن هذا الشاعر هو والشاعر « سكليانوس » ، قد استمدا من الصلة بمصر كثيرًا من أصول القصص ووحى البيئة والتاريخ .

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *