رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

       ما تقدم ، وغيرها ، أمثلة أوردها الأستاذ العقاد من غزل أبى نواس فى المؤنث والمذكر ، جمعها بين جدها وهزلها ، ومبالغتها واعتدالها ، وجيّدها ورديئها ، وعرضها معًا ليقابل بينها من يشاء كما قابل هو بينها  .

      وهى فى لبابها وبقشورها ـ لا يستطيع الناقد أن يجزم برجحان غزل المؤنث منها على غزل المذكر ، ولا برجحان هذه أو تلك على الأخرى فى مجال التفاضل بين كلام الشاعر
أبى نواس فى بعض أغراضه أو فى جميع أغراضه .

      وتتشابه الصفات والملامح ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ التى يهواها الشاعر فى معشوقاته ومعشوقيه ، وكما يكون من محببات الأنثى إليه أنها تشبه الغلام فى بعض أوصافه ، كذلك يكون من محببات الغلام إليه أنه يشبه الأنثى فى بعض الأوصاف .

    إنما جزم بعض النقاد برجحان غزله فى المذكر على غزله فى المؤنث ـ لأنهم فيما يرى الأستاذ العقاد قد ساقوا أنفسهم اضطرارًا إلى هذا الترجيح .

     افترضوا أن الشذوذ الجنسى شىء واحد يستلزم أن يكون الشاذ منحرفًا إلى هوى أبناء جنسه ،  ثم وجدوا أبا نواس يتغزل بالحوارى كما يتغزل بالغلمان ، وإذ كان عليهم أن يعللوا هذه الغرابة ، عللوها بالصدق فى أحد الغزلين والكذب فى الآخر .

      بيد أنهم لو تمعنوا لعرفوا أنه لا توجد علامة للصدق ينفرد بها غزل المذكر أو غزل المؤنث ، سواء نظروا إلى التعبير عن الشعور ، أو إلى الإجادة الفنية .

     وأصل هذا الخطأ يرجع إلى سوء فهم الشذوذ الجنسى الذى طويت عليه طبيعة
أبى نواس ، فلم يكن شذوذه يستلزم الشغف بأبناء جنسه دون غيرهم ، وإنما كانت له طبيعة جنسية تشتبه بكلا الجنسين وتتشكل بهذه مرة وبتلك مرة .

     وإذا كان القياس بحرارة الشعور فيما يرى الأستاذ العقاد ـ فإن غزل أبى نواس فى
« جنان » أكثر تعبيرًا عن حرارة الشعور من سائر غزله .

      والمدار فى غزل أبى نواس جميعه ـ على الصورة التى يشخص بها نفسه فى ذات معشوقه أو معشوقته كدأب النرجسيين .

     وبديهى أنه لا محل للكلام عن وفاء العشاق العذريين فى غزليات أبى نواس ، بل لا محل فيه حتى للتجمل الذى يناسب سمت الشعراء الغزليين أمثال عمر بن أبى ربيعة . والسبب أن بيئة أبى نواس كانت بعيدة عن بساطة البداوة وعن تجمل ذوى البيوتات من الفتيان
والعقائل .

      وقد زاد عدد معشوقاته فى ديوانه على عشر ، منهن جنان وعنان ، وكان يبث لوعته لعنان إبان مناجاته لجنان ، فيقول :  

     لولا حذارى من جنان                 لخلعت عن رأسى عنانى 

     يا من يلوم على الصبا                دعنى فشأنك غير شأنى

لم تلق من حرق الهوى               ما قد لقيت على عنان      

     وعلى غزلياته ، لم يحرص على ظاهر الوفاء ناهيك بمضمره ومكنونه ، ولم يكن عُرف البيئة يتطلب منه هذا المظهر سواء فى غزله بالمؤنث أو فى غزله بالمذكر . لم يكن الغزل فى عُرفهم إلاَّ تسلية وتزجية فراغ وشغل ثرثرة المجالس ووشايات المجتمع التى يجتمع فيها الشاربون وطلاب السماع ، والقيان والمغنيين .

       كان ذلك ديدن العصر بجملته .. أما الزيادة من أبى نواس على عرف عصره فهى زيادة الطبيعة الموكلة بالعرض والتشخيص ، وهى زيادة الطبيعة النرجسية التى تجعل العاطفة نحو غيره كالمنقولة أو العارية المستردة ، لأن النرجسى كما تقدم يتمثل نفسه فى غيره ولا يحب ذلك الغير إلا بمقدار الدور الذي يحكيه أو الزى الذى لا يلبث أن يخلعه ، وبخاصة حين يكون النرجسى كأبى نواس « مشترك الجنس » قادرًا على تمثل شخصه في الإناث والذكور ، وعلى تمثل نفسه محبوبًا للرجال والنساء.

      ويبدو للأستاذ العقاد أن شعره الذي يعلن فيه زهده فى المرأة ، إنما كان من إعراض المرأة عنه لا من إعراضه هو عن المرأة ، وأنه كان يشتهى المرأة فلا يستهويها فيدارى خيبته معها ويوهم الناس أنه يتركها باختياره ولا يتركها على الكره منه .

 »   وكان يعجب الناس أن يتحدثوا بعجائبه وشذوذ طبعه فيجمع المتكلمون عنه على رفضه الزواج ، ولم يصدقوا كل الصدق على ما يظهر من قوله يخاطب ابنة له:

 يا ابنتى أبشرى بميرة مصر          وتمنى وأسرفى فى الأمانى

   وقوله عمن تركها فى بيته:

تقول التى عن بيتها خف مركبى    عزيز علينا أن نراك تسير  

»    ولابد من الرجوع بشىء من مبالغات أبى نواس فى الولع بالغلمان إلى البدعة التى نشأت فى زمانه ولم تكن لها سابقة فى الأدب العربى قبله ، فلم يسمع عن شاعر من الجاهليين والمخضرمين أنه نظم الشعر غزلاً بالمذكر ، ولم يكن غزل ابن مناذر قبيل أبى نواس بقليل على هذا التهتك والمجون الذى فشا حوالى منتصف القرن الثانى وقبل نهايته ، ففى هذه الفترة كان غزل المذكر بدعة يلهج بها من لم يكن من أهل الفسوق والمجانة ، ومن أخبار ابن منظور التى رواها عن أبى نواس أنه عشق فتى يسمى جمالا الدارمى وكان
 لا يشرب الخمر ولا يغشى معارض الشبهات، وقد تغزل بخمسين غلامًا ولما يجاوز
العشرين … وفى هذا الفتى يقول أبو نواس :

يا واصف الخمسين لو تعدل                      لكان فيهم اسمك الأول

وصفت خمسين فميزتهم                          وأنت أنت الظبية المغزل

جمال دع عنك لنا وصفهم                        أنت وربى منهم أجمل

     على أن الإفراط فى غزل المذكر لا يحسب كله على أبى نواس فيما يرى الأستاذ العقاد ، ولا يتخذ كله دليلاً على نوازعه وأهوائه . ويصدق عليه فى هذه الخلة ما يصدق على الشيطان فى أمثلة الغربيين .

      ثم تنحسر الشهرة عن زيادتها ، وتثوب الطبيعة إلى حدودها ، فتبدو حقيقة شذوذ
أبى نواس الجنسى الذى يفسر غزله بالمؤنث وبالمذكر ، ويفسر تأنثه فى صباه ، ويفسر مبالغته فى دعواه ، وذلك هو شذوذ الطبيعة النرجسية التى مكنتها فيه بيئة من أهله وعصره ومعاشريه .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *