رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

الشيطان

    لا يقصد الأستاذ العقاد الشيطان بمعنى إبليس أو الشر ، وهو ما سبق أن كتب فيه كتابه العميق الضافى « إبليس » ، وإنما يقصد إلى شيطان الشعر ، وهو هنا شيطان فنى أو أستاذ فنان ، لا شأن له بالشر ولا بوساوس الضمائر ووساوس الأخلاق ، وإنما كل شأنه أن يصنع ما يعجز الإنس عن صنعه لدقته أو ضخامته و فخامته ، حتى  كان أرباب الفصاحة ـ فيما قال أبو العلاء : كلما رأوا حسنًا عدوه من صنعة الجن .

     هذا الشيطان « الفنى » لا يعنى أصحاب الدراسات النفسية ، وإنما يعنيهم الشيطان « الأخلاقى »  الذى ينصرف إلى حالات الضمائر السوية أو المعوجة .

    وعلى هذا لم يكن الشيطان عندهم شيطانًا واحدًا بل عدة شياطين ، وهم يصاحبون الشعراء أيضا فى هذا المجال ، ولكن الآية فيه معكوسة يقوم فيها الشعراء بصنع شياطينهم على الصورة التي يتخيلونها.

     فهناك الشيطان رمز الكبرياء والتمرد ، وقد صوره الشاعر الإنجليزى « ميلتون « فى « الفردوس المفقود » ، وصوره الشاعر الإيطالى » كردوتشى«  فى نشيده إلى إبليس .. وقد أجمع النقاد على أن الشاعرين قد صورا الشيطان ثائرًا مريدًا متكبرًا ، لأنهما عاشا إبان ثورة عنيفة  فوضعا على لسانه الكلام الذى يريدانه ، ويخفيانه أو يعلنانه .

    وملتون وكردوتشى مسيحيان ، ولكن الشيطان فى شعرهما أقرب إلى صورة « برومثيوس » ـ من الصورة التى مثلها العهد القديم لإبليس الرجيم.

    ويستخلص علماء النفس ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ  يستخلصون أو يستنبطون من صورة « برومثيوس » والنسخ المنقولة عنها ـ أن التمرد قديم فى طبيعة الإنسان .

      وهناك عدا الشيطان الذى يرمز إلى التمرد والكبرياء ـ شيطان يرمز إلى السحر، والمعرفة الباطنية ، وهو « مفستوفليس » بطل « فوست » لجيتى شاعر الألمان .

    « وهذا الشيطان كما صوره جيتى والشعراء من قبله ، يصنع أكسير الحياة ليطيل به العمر، ويرد به الشباب إلى الشيوخ ويساوم به على الضمائر والأرواح ، فمن باعه الحياة الأبدية أخذ بديلاً منها المتعة والقوة والسيطرة بالمعرفة فى حياته الأرضية .

     « وعند النفسانيين أن هذا الشيطان متمرد متكبر كذلك الشيطان ، ولكنه يتمرد بعقله من حيث يتمرد ذلك الشيطان بنفسه ، وسلاحه المعرفة من حيث يتسلح زميله القديم بالشجاعة الحربية » .

    التمرد خلة مشتركة بين شيطان ملتون وكردوتشى ، لأن الشاعرين كانا غاضبين ويتحديان ثورة الأمتين ـ الإنجليزية والإيطالية ـ على سلطان الملوك وسلطان الحكام .

    أما جيتى فقد فضل شيطان المعرفة لأنه كان فى عصر النهضة العلمية لبلاده .

    وغير هاتين الشخصيتين الشيطانيتين ، صورة أخرى من قريحة شاعر شرقى ، تخيلها فى بعض أحلامه ، يرينا فيها الشيطان فاتنًا وسيمًا يكذب بملاحته أقاويل أبناء آدم  عن دمامته  .

    هذا الشاعر الشرقى ، هو « السعدى » صاحب البستان والجلستان ، وأكثرها مترجم إلى اللغة العربية ، يصور فى أحدى قصائده صور الشيطان عن حلمٍ رآه ، فيقول :

« رأيت الشيطان فى حلم.  فيا عجبًا لما رأيت .

« رأيته على غير ما وهمت ، من صورة شنعاء تخيف من ينظر إليها .

« قامة كفرع البانة . عينان كأعين الحور. طلعة كأنها تضىء بأشعة النعيم!  

« قاربته وسألت : أحق أنت الشيطان المريد ؟ أحق ذاك ولا أرى ملكا له جمال محياك ؟ ولا عين قد نظرت إلى شبيه سيماك .

« ما بال أبناء آدم يتخذونك لهم ضحكة فيما يصورونك ؟

   « وفى وسعك أن تجلولهم وجهًا كصفحة البدر، ونظرة تتهلل ببهجة الرضوان ؟ وابتسامة تشرق بالنعيم ؟

   « أولئك الرسامون يبغضونك إلى العين ، وحمامات الإنس ، تكشفك لنا فى صورة تنقبض لها القلوب !

« ويقولون لى : إنك كالليل البهيم

« وما أرى أمامي إلا الصباح المنير » .

*         *          *

« سألت وتسمعت .

   « فتحرك الحلم الساحر ، وترفع له صوت فخور .

   « ولاحت على طلعته كبرياء ، وقال : لا تصدق يا صاح أنه مثالى ذاك الذى رأيت فيما يمثلون .

  « فإن الريشة التى ترسمنى تجرى بها يد عدو حسود

   « سلبتهم السماء ، فسلبونى الجمال .. »

*         *          *

وهذه الصورة غير مستغربة من مصورها ، فقد كانت للسعدى طبيعة يمتزج فيها التصوف بالحكمة العملية ، وطاف كثيرًا فى أقطار الشرق ، وخرج من سياحاته وتجاربه عالمًا بما وراء الثناء وما وراء المذمة ، ومن ثم كان شعاره : ألا تصدق ما يقال .

وشخصية شيطانية أخرى ، معتبرة مثالاً للشيطان الذى يخلعه الشاعر على صورته هو . وذلك هو شيطان الشاعر الروسى « لرمنتوف ـــ Lermentov » الذى عاش فى أوائل القرن التاسع عشر وسمع من بعيد بملفات الفكرة فى غرب القارة الأوروبية .

    وهذا الشيطان الذى صوره « لرمنتوف » ــ هو « لرمنتوف » بعينه مزيدًا عليه ما يتمناه ولا يناله لأنه إنسان ، وقد صور الشيطان مسكينًا معرضًا للغواية باختياره فى حب فتاه من الإنس ، تهواه وتكاد أن تجفو خطيبها من أجله ، فيغار الشيطان من هذا الخطيب فيقتله لتنساه الفتاة ، ولكن الآية تنقلب وتحزن عليه حزنًا حجب عن عينها محاسن الحياة فتأوى إلى الدير وتنذر الرهبانية مدى حياتها ، ويجن جنون الشيطان فيلاحقها ، ويتصدى له المَلَك الحارس عند باب الدير ، وتصطرع قوة الشر وقوة الخير ، فينهزم المَلَك ، وينتصر الشيطان ، وينفذ إلى حجرة الفتاة فيملك الجسد و تصعد الروح إلى السماء     .

    هذه نماذج من الشياطين ، بين نموذج الشيطان المتكبر المتمرد ، ونموذج الشيطان الوسيم القسيم ، ونموذج الشيطان الساحر الساخر ، ونموذج الشيطان الخادع المخدوع .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *