رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

     عشق الأستاذ العقاد لابن الرومى ، وإعجابه وتقديره لشعره ، سابق بسنوات على صدور كتابه ـ سنة 1913 ـ : « ابن الرومى . حياته من شعره » .

      كتب فى السابق لصحيفة الجديد : « عصر ابن الرومى » ، وكتب لجريدة البلاغ عن « أخلاق بن الرومى » ، وتعددت استشهاداته بشعره فى أعماله الأولى ..

      صدر الكتاب بالقاهرة سنة 1931 ، وتعددت طبعاته ، وصدرت له طبعة ثالثة عن مطبعة حجازى بالقاهرة بتكليف من المكتبة التجارية صاحبة النشاط العريض فى تلك الأيام ، وعنيت دار الهلال بنشره فى كتاب الهلال ـ العدد 214 فى يناير سنة 1969 ، وأعادت نهضة مصر نشره سنة 2005 ، ونشر ببيروت ضمن الأعمال الكاملة للعقاد .

      وأزمع الأستاذ العقاد تأليف هذا الكتاب قبل سنوات من صدوره ، فلا يكاد يتهيأ له إلاَّ وتحول حائلة أو يعترضه عارض ، وتكررت العوارض حتى صارت وكأنها دليل على خرافة « التشاؤم » التى أحاطت بهذا الشاعر ، ولكن الأستاذ العقاد لا يستسلم لمثل هذه الخرافات ، ويحمل من عزيمته ومن إعجابه بابن الرومى ما جعله يصمم على إخراج الكتاب برغم ما صادفه من عقبات متتالية .

      وفى أحد مقالات الأستاذ العقاد التى جمعها الأستاذ طاهر الطناحى رئيس تحرير كتاب ومجلة وروايات الهلال ، وأصدرها عن دار الهلال بعد وفاته العقاد تحت عنوان « أنا » ، بكتاب الهلال العدد 160 فى يوليو 1964 . فى تلك المقالة يقول الأستاذ العقاد إن الحافز الأكبر لتأليفه كتابه عن ابن الرومى ، أنه مجهول القدر مبخوس الحق ، يصطلح على بخسه والنزول به عن قدره ـ جهل النقاد وظلم الأغراض والأهواء . بينما رأيه فيه أنه « أعظم شعراء العالم بلا استثناء فى ملكة الوصف التصويرى والعاطفة الممثلة فى قالب الحس والخيال ، بيد أن النقاد يذكرونه ويحسبون أنهم يتعطفون عليه إذا ألحقوه بشاعر كالبحترى أو ابن المعتز على غير مساواة ، بينما هما بالقياس إليه كمن ينطق بحروف الهجاء فى مجالس البلغاء » .

    ومن ثم كان إنصافه مما أصابه من عوادم الجهل وخرافة التشاؤم ، حافزاً دفع الأستاذ العقاد للكتابة عنه ، وهو يكاد يعتبر ذلك من حوافز الغيرة الدينية إلى جانب لذته الأدبية ، وأنه لذلك كله فضل أن يقدمه على غيره فى موضوع النقد وتواريخ الآداب.

 

التمهيد

 

بدأ الأستاذ العقاد هذا الكتاب بتمهيد شمل فكرته وما سوف يعالجه فى هذا الكتاب القيم .. لا يعتبره من قبيل الترجمة التى تورد قصة حياة ، وأحرى به أن يعد « صورة حياة » . فالنظر إلى ديوان ابن الرومى ينقل مرآة صادقة لحياته وصورة ناطقة لا نظير لها فى دواوين الشعراء .

   إن مزايا الشعر متعددة ، تتفرق بين الشعراء على قدر نصيب كل منهم من هذه أو تلك ، فيعجبنا فى كل شاعر طرازًا سائغًا مستملحًا ، ويعجبنا فى هذا غير ما يعجبنا فى ذاك . فكلهم شعراء فيهم صفة الشاعرية . غير أن المزية التى لا غنى عنها هى « الطبيعة الفنية » . هذه الطبيعة الفنية هى الطبيعة التى بها يقظة بيّنة للإحساس بجوانب الحياة المختلفة . هى التى تجعل فن الشاعر جزءًا من حياته . وتمام هذه الطبيعة أن تكون حياة الشاعر وفنه شيئًا واحدًا لا ينفصل فيه الإنسان الحى عن الإنسان الناظم ، وأن يكون موضوع حياته هو موضوع شعره وموضوع شعره هو موضوع حياته .

   وابن الرومى فيما يسوق الأستاذ العقاد ، واحد من الشعراء القليلين الذين ظفروا من الطبيعة الفنية بأوفى نصيب . فمن عرف ابن الرومى الشاعر فقد عرف ابن الرومى الإنسان .

   وليس من الصدق للتاريخ ــ فيما يقول ــ أن يقال عن ابن الرومى إنه كان خاملاً فى زمانه أو بعد زمانه ، ويراد بذلك المكانة الأدبية والأثر بين المتأدبين ، بل لعله إذا قيس إلى الشعراء الهجائين خليق أن يُعد سعيد الحظ موفور الجزاء . فقد ذهب شعر بشار بن برد إلاَّ أقله ، وذهب شعر دعيل إلاَّ أقله ، وبقى ديوان ابن الرومى كله ولم يذهب منه إلاَّ أقله ، وهذه الشهرة لم يرزقها إلاَّ أفراد معدودون بين سائر الشعراء .

   أما الذين أهملوه ــ كصاحب الأغانى ــ فإنهم تعمدوا ذلك حنقًا عليه لا إصغارًا لشأنه ، وتأخر طبع ديوانه فى العصر الحديث سببه أنه أطول ديوان محفوظ فى اللغة العربية من جهة ، ولأن نسخته ــ من جهة أخرى ــ لم تكن ميسورة فى البلاد السورية حيث طبعت بعض الدواوين ، وربما كان الإقذاع فى الهجاء سببًا ثالثًا مضافًا إلى ذينك السببين .

   فليس من الصدق للتاريخ إذن أن يقال إن ابن الرومى كان خاملاً بالمعنى الشائع للخمول .

   وصفه ابن خلكان صاحب وفيات الأعيان ، بأنه « صاحب النظم العجيب والتوليد القريب ، يغوص على المعانى النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها فى أحسن صورة ، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره ولا يبقى فيه بقية » .

   وهذا وصف صادق كله ، فيما يعقب الأستاذ العقاد ، ولكنه فى نظره ليس بكل الوصف الذى ينبغى أن يوصف به ابن الرومى ويتمم به تعريفه ، والناقص فيه هو الأجدر بالتنويه ، إذ هو المزية الكبرى فى الشاعر وهى « الطبيعة الفنية » التى تجعل الفن جزءًا لا ينفصل من الحياة .

   وابن الرومى شاعر كثير التوليد غواص على المعانى مستغرق لمعانيه كما قال ابن خلكان ، ولكن من الغبن لشاعريته أن تُحصر فى التوليد والغوص والاستغراق ، فهو الشاعر من فرعه إلى قدمه .. وهو الشاعر فى جيّده ورديئه والشاعر فيما يحتفى به وفيما يلقيه على عواهنه ، وليس الشعر عنده لباسًا للزينه ، بل هو إهابة الموصول بعروق جسمه المنسوج من لحمه ودمه . لأن موضوع فنه هو موضوع حياته ، ولذلك كانت صورة حياة ابن الرومى مستمدة من
شعره .      

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *