رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

العقاد واللغة الشاعرة

 

     كتاب « اللغة الشاعرة » ـ أحد كتابين من أعمدة الكتب التى ألفت فى لغة الضاد ، ويهمنا هنا كتاب « اللغة الشاعرة » الصادر فى أول سبعينيات القرن الماضى ، والمعاد طبعة سنة 2000 ، ما دمنا نتحدث الآن عن « شاعرية العقاد » ـ فما كان للأستاذ العقاد أن يصنف هذه الدرة بمجرد إتساع وموسوعية معارفة ، فلا غناء للمعرفة هنا عن الحاسة الشعرية التى إمتاز بها .

   *        *        *

      ذلك أن الدراسات الحديثة تتجه للتفرقة والمضاهاة بين مزايا كل لغة من اللغات .. يتشيع البعض للعصبية القومية ، وينحو البعض إلى الدراسات الموضوعية التى تبحث فقط عن المزايا العلمية التى تستند إلى خصائص النطق والتعبير المتفق عليها فى العلوم اللسانية . فما هى المزايا الحقيقية التى تثبتها الدراسة الموضوعية للغتنا العربية ؟

     عن هذه المزايا الموضوعية العلمية .. وخصوصا مزية التعبير الشعرى ومزايا التعبير بعامة ـ وضع الأستاذ عباس العقاد كتابه الضافى : « اللغة الشاعرة » .. فلماذا وصفت اللغة العربية ، قديماً وحديثاً ، بأنها لغة شعرية ؟! . هل يرجع ذلك لكونها يكثر فيها الشعر والشعراء .. ولانفرادها بالعروض ؟. أم لأنها لغة مقبولة فى السمع يستريح إليها السامع كما يستريح إلى النظم المرتل والكلم الموزون ؟. أم لأنها لغة يتلاقى فيها تعبير الحقيقة وتعبير المجاز على نحو لا يُعْهد له نظير فى سائر اللغات ؟ 

     هذه مزايا لا ينكرها دارس موضوعى للّغة العربية ، ولكن الأستاذ العقاد  توقف عند حقيقة جعل يثبتها فى فصول كتابه الشيق .. هذه الحقيقة أكبر من كل ذلك وأشمل .. فاللغة العربية لغة شاعرة لا يكفى أن يقال عنها إنها لغة شعر أو لغة شعرية  .. وجملة الفرق بين الوصفين .. بين اللغة الشاعرة واللغة الشعرية .. أن تعبير اللغة الشاعرة أشمل وأعمق من تعبير اللغة الشعرية الذى قد يطلق على لغة لمجرد كثرة الشعر أو الشعراء فيها .. فاللغة الشاعرة تماثل فى ذاتها وخصائصها الشعرَ نَفْسَه فى قوامه وبنيانه .. قوامها الوزن والحركة ، وليس لفن العروض ولا لفن الموسيقى كله قوام غيرها .

   *        *        *

    ينتقل العقاد من مزايا اللغة فى التعبير الشعرى إلى مزاياها فى التعبير على إطلاقه خارج الشعر وموازينه وقوافيه .. دفعه إلى تقديم هذه الدراسة ، أنها أتت فى زمان تعرض فيه العرب ، وتعرضت لغتهم ، لدسائس الراصدين ، ومعاول هدمهم .. ليس لأنها لغة كـلام وكفى ، وإنما لكونها قوام فكرٍ وثقافة وعلاقة تاريخية .

   فى اعتداد بلغته ، لا يخفيه العقاد ـ يورد أن من واجب القارئ العربى ـ إلى جانب غيرته على لغته ـ أن يذكر أنه لا يطالب فقط  بحماية لسانه ، ولكنه مطالب بحماية العالم من خسارة فادحة تصيبه بما يصيب هذه اللغة العالمية بعد أن بلغت مبلغها الرفيع من التطور والكمال ، وأن بيت القصيد هنا أعظم من القصيد كله .. لأن السهم فى هذه الرمية يسدد إلى القلب ، ولا يقف عند الفم واللسان وما ينطق به فى كلام منظوم أو منثور .. فكيف أثبت العقاد للغتنا العربية مزاياها العلمية التى تفوق بها غيرها من اللغات ، ورد عنها هجوم الدعاة  .

     قدم الأستاذ العقاد عصارة فكره ودراسته عن الحروف ، والمفردات ، والإعراب ، والعروض ، وأوزان الشعر ، ثم المجاز والشعر ، فالفصاحة العلمية ، فلغة التعبير ، فالزمن فى اللغة العربية ، ثم الشعر ديوان العرب ، فنقد الشعر العربى ، فالنقد العلمى .. وأخيرًا الشعر العربى .. وفى كل فصل من فصول هذه المباحث ، يثبت الأستاذ العقاد بالبرهان العلمى كيف أن اللغة العربية هى بالفعل لغة شاعرة بحروفها ومفرداتها وإعـرابها ، وعروضها ، وأوزان شعرها وقوافيه ، وبتعبيراتهـا المجازية ، وبغالب صفاتها التى ثبتت لها بعيدًا عن العصبية والتشيع .

   *        *        *

     إن حروف الهجاء العربية ليست أوفر عددا من أبجديات غيرها من اللغات .. ومع ذلك فلا تظهر شاعرية اللغة العربية فى شىء كما تظهر فى تراكيب حروفها .. فاللغات الأخرى على زيادة أعداد حروفها ، لا تبلغ مبلغ اللغة العربية فى الوفاء بالمخارج الصوتية على تقسيماتها الموسيقية ، لأن كثيرًا من هذه الحروف الزائدة فى هذه اللغات الأخرى ، إنما هى حركات مختلفة لحرف واحد حسب تغير قوة وأسلوب الضغط عليه .. كأن تنطق الياء : « يا » أو « يو » إلى غير ذلك . أما اللغة العربية فإنها أوفر عدداً فى أصوات مخارج حروفها رغم قلتها النسبية الظاهرة ، فليس هناك مخرج صوتى واحد ناقص فيها ، بل وتبز غيرها من اللغات بحروف خاصة لا توجد إلاّ فيها .. كالضاد ، والظاء ، والعين ، والقاف ، والحاء ، والطاء .. فضلاً عن موسيقية ترتيب حروفها .. دليل ذلك هذا التزاوج الإيقاعى الملموس بين الباء والتاء والثاء ، وبين الحاء والخاء ، والدال والذال .. وهلم جرّا  .

    فهل استطاعت اللغة العربية أن تنقل هذه الموسيقية الراقية فى حروفها إلى تراكيب مفرداتها ؟. يكفى أن نلاحظ تراكيب بعض المفردات .. فالفرق مثلا بين : ينظر وناظر ، ومنظور ، ونظير ، ونظائر ، ونظارة ، ومناظرة ، ومنظار ، ومنظر ، ومنتظر ، وما يتفرع عليها .. هو فرق بين أفعال وأسماء وصفات وأفراد وجموع ، وهو كله قائم على الفرق بين وزن ووزن ، أو قياس صوتى وقياس مثله ، يتوقف على اختلاف الحركات والنبرات ، أى على اختلاف النغمة الموسيقية فى الأداء  .

   *        *        *

     على غير هذا النسق تجرى أوزان كثير من الكلمات فى اللغات الأخرى .. فقد ترى فيها كلمات على وزن واحد دون أن يدل هذا الوزن على اتفاق فى المعنى مثلا أو على اشتقاق الأسماء والأفعال من كلمة أو غيرها .. بحيث يمكن أن يقال إنه لولا هذا التشابه العَرَضى فى أوزان بعض كلمات هذه اللغات لوجدنا فيها أوزانا عديدة بقدر ما فيها من كلمات .. فى اللغة الإنجليزية كلمات : آن ، بان ، تان ، جان ، دان ، مان .. وغيرها .. فإنها رغم اتفاقها فى الوزن ، لا يوجد أى ارتباط بينها فى المعنى أو غيره على عكس هذا الارتباط الذى نراه فى مفردات اللغة العربية ذات الوزن الواحد ..

   *        *        *

    إن موسيقية حروف اللغة العربية ومفرداتها قد لاَزَمَتْهَا أيضا ـ بالإعراب ـ فى تراكيبها المقيدة .. ذلك أن حركات الإعراب وعلاماته ـ وهو خاصية تفردت بها اللغة العربية بين لغات العالم ـ تجرى مجرى الأصوات الموسيقية وتستقر فى مواضعها المقدورة على حسب الحركة والسكون فى مقاييس النغم والإيقاع .. ومع أن الشعر وجد فى كل لغة من لغات القبائل البدائية والأمم المتحضرة  .. إلاّ أنه لم يوجد فنّا كاملاً مستقلاً عن الفنون الأخرى فى غير اللغة العربية .. فالفن الكامل فى لغة الشعر ، هو الشعر الذى توافرت له شروط  الوزن  والقافية وتقسيمات البحور والأعاريض .. فالشعر فى كثير من اللغات قد يلاحظ فيه الإيقاع دون القافية والأوزان المقررة .. وربما لوحظت فيها القافية على غير وزن مطرد .. أما الشعر الذى تُلاحَظُ القافية والوزن وأقسام التفاعيل ـ فى جميع بحوره وأبياته .. فهو خاصية من خواص اللغة العربية دون غيرها من لغات العالم أجمع ..

     هى إذن لغة شاعرة .. شاعرة فى تعبيرها الشعرى وتعبيرها العام .. يستشعر القارىء شاعريتها بالبرهان والدليل ، العلمى والشيق ، وهو يجرى مع الأستاذ العقاد على سطور الكتاب الذى يثبت جدارة اللغة العربية الشاعرة بأن تكون واجهة لحضارة عظيمة تباهى بها أمم الأرض جميعا .. مما يوجب أن نرتفع بفهمنا وعلمنا وعملنا إلى مقام هذه اللغة التى حملت القرآن المجيد إلى العالمين !

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *