رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

مِنْ بيكون

 

      هذا هو القسم الثانى من الكتاب ، تناول فيه الأستاذ العقاد ثلاثة محاور من إنتاج بيكون : (1) المقالات (2) متفرقات (3) طرائف وأجوبة .

 

المقالات

 

      طبيعى أن تكون المقالات هى الأهم والأوفى نصيبًا فى التعبير عن بيكون ، وقد اختار الأستاذ العقاد أن يتناول من مقالاته ، الحق ، والحب ، والحظ ، والحسد ، والحمد والثناء ، والشباب والشيخوخة ، والدراسة ، والإلحاد ، والظن ، والخرافة ، والجمال ، والانتقام ، والشدة ، والموت ، وحكمة المعاش ، « أو حكمة المرء نفسه » ، والمكر ، والفتن والقلاقل ، والمناصب الرفيعة ، والصداقة ، وعظمة الممالك والدول ، وأخيرًا مقتبسات من بعض المقالات.

      والواقع أن هذا الاستطراد ليس تزيدًا من الأستاذ العقاد ، وإنما تتجلى فيه جوانب قدرة بيكون وجوانب عمق فكره وعظمة أدائه وتعبيره ، وهى ما دعته أصلاً لوضع هذا الكتاب ، واختار للتعبير عن مراده أن يضيف فى العنوان الذى يحمل اسم بيكون صفة « مجرب العلم والحياة » .

 

الحق

 

      ما الحق ؟ سؤال سأله الحاكم الرومانى « بيلاطس » مازحًا ولم ينتظر جوابه ، فقد سأل السيد المسيح عن بغيته فقال عليه السلام : الحق . عندئذ سأله بيلاطس هذا السؤال متهكمًا ، ولم ينتظر جوابه .

      ومن البين ـ فيما ينقل الأستاذ العقاد عن بيكون ـ أن كثيرًا من الطبائع المتقلبة والعقول الواهية تحسب الثبات على العقيدة قيدًا ، ويحسبه آخرون حجرًا على المشيئة الحرة فى التفكير والعمل .

      وقد ولت مدرسة أولئك الفلاسفة الذين ينظرون تلك النظرة ، ويقصد بهم الشكوكيين من أتباع « بيرهون » ، وبقى بعدهم أناسٌ من أصحاب العقول المزعزعة يجرون على منوالهم ، دون أن يكون لهم متانة معدنهم ولا نفاذ حجتهم .

      هذا والعلة المغرية بالكذب والباطل ، ليست بسبب مشقة المعاناة فى الوصول إلى الحق ، ولا من القيود التى يفرضها الحق على النفس بعد الوصول إليه ، وإنما يأتى ذلك من هوى الطباع التى تطلب الكذب حبًّا فيه وتغرم بالباطل .

      وقد بحث بعض المتأخرين من فلاسفة اليونان ـ يعنى لوسيان ـ فى أسباب ولع بعض الناس بالكذب .

      ويضيف : لست أدرى ولا أخالنى أدرى . فقد يلوح لى أن الحق فى وضوحه كضوء النهار البين الذى لا يروق أنظار بعض من تروق لهم أضواء الشموع فى الملاعب والمساخر.

      وهل يرتاب أحدٌ أنه لو خلت العقول الآدمية من خواطر الغرور وزيف القيم ، وهواجس التخيل تبعًا للهوى ـ لانقبضت تلك العقول وامتلأت بالكدر والسوداء ؟

      قال بعضهم إن الشعر خمر الشيطان ، وظل الأكاذيب ، بيد أن الأكذوبة التى تعلق بالعقل لا تضيره ، وإنما تضر الأكذوبة التى تستقر فى أطوائه .

      إن الحق ليس له من ميزان يوزن به غير ميزانه .. وبه وحده نعلم أن طلب الحق وعرفانه والإيمان به والتمتع بإحتوائه ـ إنما هو الخير الأوفى والرفعة العليا فى طبيعة الإنسان .

      لقد كان نور الحس ـ فيما يقول ـ هو أول خلائق الله فى الأيام الستة ، وكان ختامها نور العقل والرشاد ، وكان يوم السبت ـ يوم الراحة ـ نور البصيرة والروح .

      وكان الشاعر ( لوكريتس ) يقول إنه جميل أن تقف على شاطئ البحر وتنظر إلى السفن عاديات رائحات عليه ، وأن تقف بشرفات القلعة وتنظر إلى حومة الحرب ، ولكن لا جمال يعدل جمال الوقوف بساحة الحق حيث يصفو الجو ويكشف لك الخطأ والضلال ، والغواشى والأعاصير تحت قدميك .

      ينبغى أن يكون نظر الإنسان إلى ما يراه هنالك ، بعين العطف والرحمة ، لا بعين الزهو والكبرياء .

      وإذا تحولنا من حقائق العقائد الدينية والآراء الفلسفية إلى حقائق المعيشة والعمل ـ رأينا الاعتراف عامًا بأن المعاملة الصراح هى شرف الطبيعة الإنسانية ، وأن الخلط والتمويه كالمعدن الذى يُغَش به الذهب والفضة . وما من رذيلة تجلل صاحبها بالعار كافتضاحه بالكذب والخيانة.

      إن الشر الذى تنطوى عليه الخيانة ـ لن يتجلى فى عبارة كتجليه فى العلم بأنها النذير الأخير الذى تستحق به أجيال البشر قضاء الله يوم القيامة !

 

الحب

 

      يبدو أن المسرح أحفل بالحب من حياة الناس ، فقد يكون الحب فى المسرح مادة للمهازل ومن حين إلى آخر ـ مادة للمآسى . أما فى حياة الناس فإنه عظيم الأذى ، يبدو تارة كالحورية ، وتارة كالجنية المتشيطنة .

      وقد نلاحظ أنه لم يكن بين العظماء ـ فرد أصيب بلوثة الحب وطوح به إلى درجة الولع والهيام . وهذا يدل على أن الهمم الكبيرة الجادة تظل بنجوة من هذه الخالجة الضعيفة .

      ومع ذلك خليق أن نستثنى مع هذا رجلاً مثل مارك أنطونيو الذى كان قسيم السلطان فى الدولة الرومانية ، ورجلاً مثل أبيوس كلوديوس أحد العشرة المشترعين فى تلك الدولة . كان أولهما (مارك) « شهوان » لا يملك زمام نفسه ، ولكن الثانى (أبيوس) كان موفور الجد والحكمة.

      وإنه لعجيب أمر الشطط فى هذا الهوى الذى يجمح بالطبيعة ويتجاوز الحدود ، ولا يتراءى شطط من أمر كان يتراءى من استغراب الناس الكلام المفخم الطنان فى كل سياق إلاَّ فى سياق الغرام . ليس الأمر هنا أمر كلام وكفى ، ولكن العاشق يذهب فى الخديعة وراء ذلك ، لأنه ما من أحد يضل فى تعظيم قدره كما يضل العاشق فى تعظيم معشوقه !

      ومن المشاهد أن هذا الهوى يستوفى فيضه إبان الضعف فى حاليته : حالة الرغد ، وحالة البأساء . وإن كانت الثانية أندر من الأولى .

    وفى الحالتين يلتهب الحب ويشتعل أواره ، ويرينا بذلك أنه وليد الحمق والغفلة ! وأفضل ما يصنعه من لم يكن له بدٌّ من الحب ـ أن يكبحه ويفصل بينه وبين شئون جده وشواغل حياته.

      ولست أدرى ـ فيما يقول ـ ما بال رجال الحرب يحبون أن يحبوا إلاَّ من قبيل حبهم للخمر والتماس الجزاء على الحظر ـ بالمسرات .

      بيد أن الإنسان مطبوع فى خفايا قلبه على طلب العلاقة بغيره . وهو ميلٌ إن لم ينصرف إلى فرد أو بضعة أفراد ـ انصرف عفوا نحو كثيرين فألهم النفس خصال المودة والعطف وصنع الخيرات .

      إن الحب الزوجى يوجد بنى آدم ، وحب الصداقة يكملهم ويهذبهم ، أما حب اللهو فهو مفسدة وإسفاف .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *