رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

       كانت النزعات الحية تتمثل فى الشعائر العامة والعادات الشعبية ، كما تتمثل فى الشعر والآثار الأدبية .

       فى العادات التى كانت شائعة فى بيئة الفقهاء والأدباء ـ عادة البلاط الأدبى الذى كان يعقد بعلم الحكومة ومساهمة منها أحيانًا .

       وكان هذا البلاط الملفق يقضى بتنصيب بعض النبلاء وحملة الألقاب مع شرط اطلاعه على المؤلفات المشهورة وتردده على المسرح وأن يحسن نظم المقطوعات الشعرية التى تستخدم للتحية أو الفكاهة فى المجالس العامة .

       ومن دأب العصور التى تشيع فيها هذه النزعات الحية ، أن تتبرم بتعليم المدارس والجامعات ، ولا ترى فيه الكفاية لتنشئة الرجل المهذب والعامل الناجح .

      ولهذا ساء ظن الأذكياء بالعلوم التى كانت تدرسها الجامعات فى ذلك الحين ، وتحدث بذلك طلابها .

      ولم يبالغ من وصف بؤس العلماء وقلة جدواهم من أدب الكتب  والدفاتر .. وقد كانت المسرحية تباع آنذاك بعشرة جنيهات أو ما دون ذلك ، ولولا الهبات التى كانت تصل الشعراء والأدباء لهجروا هذه الصناعة  .

*        *        *

   وليس أقرب إلى العقل البشرى فى عصر كهذا ــ من التوجه إلى علم جديد غير علم العزلة وديدان الأوراق . وهو العلم المفيد الذى يمتزج بالمعيشة ويعين الأفراد والأمم على الحياة .

   وهذا ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ هو لباب الفلسفة البيكونية . ولباب العصر كله بعلمه وعمله وأخلاقه ومساعيه .

   وكانت فى العصر بواعث أخرى أعانت طلاب العلوم والمعارف على الطموح إلى المجد الدنيوى والتطلع إلى المناصب العليا . والتى كانت وقفًا على كبار رجال الدين أو كبار رجال السيف من النبلاء وورثة الألقاب ، فلما تحولت البلاد الإنجليزية عن سلطان الكنيسة البابوية ــ خلا مكان الكهان والكرادالة فى تلك المناصب ، واتسع المجال والأمل لرجال المعرفة والذكاء .

وكانت المجالس النيابية قد أخذت فى محاسبة الملوك على الضرائب ونفقات الخزانة وحقوق الامتياز المشروعة أو غير المشروعة ، فاحتاجت الحكومة إلى وزراء من رجال الفقه والمال وقادة المجالس النيابية ، وخلت أماكن لرجال المعرفة والذكاء .

     وعمت فتنه الذهب والكسب السريع بعد فتح الطريق إلى الهند من الغرب بعد الهجرة إلى القارة الأمريكية ، فتهافت الناس على جمع المال والثراء ، وأصبحت القناعة عارًا على القانعين !

     كان الطموح والاستطلاع سمة العصر كله ، وكان العلم المنشود يومئذ بابًا من أبواب الطموح والاستطلاع .

*        *          *

 

     وكان أن تنبه العصر بطبعه ــ إلى أسلوب من أساليب العلم والتثقيف ، هو بلا ريب من أوسع الأساليب لتوسيع النظر وترويض العقل على حسن المقابلة بين الأمور والنفاذ إلى دخائل العادات والشعائر القومية . هذا الأسلوب هو السياحة ، فهى أشبه أساليب التعليم والتهذيب فى عصر الحركة والكشف و الاستقصاء .

       فكانت الرحلة إلى إيطاليا وأسبانيا وفرنسا وهولندا وغيرها من الأقطار الأوروبية ولبعض الأقطار الشرقية ــ فرضًا على كل فتى مستطيع من أبناء السراة .

      وكان أبناء الأمة الإنجليزية يكبرون أولئك السائحين ، ويتهمونهم أحيانًا بالترفع والحذلقة فى نقد عادات البلاد وتكلف المعيشة على غير السنن المألوفة . وهو اتهام لا يخلو فى الواقع من الإكبار أو الاعتراف بما للسياحة من قدرة على تحسين العادات .

      وكانت هذه وأمثالها من أساليب العصر فى التعليم ومباشرة الحياة ، لأنه ــ كما تقدم ــ عصر طموح واستطلاع .

*         *         *

      وقد انطلق طموح الفكر إلى مراميه فى ذلك العصر بغير عائق ، حيث كانت الكنيسة مشغولة بالدفاع عن وجودها وسلطاتها ، أما سلطان الحكومة فرغم أنه كانت لها رقابة على الكتب والمطبوعات ، إلاّ أنها لم تكن من الصرامة والضيق بحيث تحول بين الكتّاب وإظهار
ما يكتبون  .

       على أنه كان عصرًا يسرى عليه ما يسرى على جميع العصور . فما من عصر فى تاريخ الإنسانية خلا كل الخلو من بعض عوامل الضعف والانتكاس ، أو بعض عوامل التهيؤ للانتقال والتبديل .

     ولم يُكتب لعصر بيكون ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ لم يُكتب له أن يشذ عن هذه القاعدة ، فكمنت فيه عوامل شتى للتبدل والانتقال .

     زاد سلطان التاج بعد الغلبة على الكنيسة والغلبة على نظراء الدولة من الأمم الأجنبية .

      وكان قمع الكنيسة على كره من الأتقياء المتنطسين وهم غير قليلين فى البلاد
الإنجليزية .

     وجاء الطموح والفتوح بنظام جديد فى توزيع الثروة ، فاختل النظام القديم وتصدعت أركان بنائه العريق  .

     وبالغ الناس فى الطموح ، فعرض لهم ما يعرض لكل غلو فى الرجاء من خيبة
وصدمات .

      وقد كان الطموح فى عنفوانه ، وكانت العوامل الكامنة فيه فى بدايتها ، ولكنها
لم تحجب عن بديهة الشعراء والحكمة فى زمانها .

   وجملة القول فيما يرى الأستاذ العقاد ــ أن هذا العصر كان أنسب وأولى العصور بتخريج بيكون . آية ذلك أننا نلمس مراجع العصر فى أخلاقة كما نلمسها فى آرائه وكتبه .. فهو عصر يصدف عن علم النظر والعزلة ، ويقبل على علم المزاولة والقوة ، ويأنف من التسليم بكل شىء ، ويتشوف إلى تجربة وتذوق من كل شىء ، ويركب كل مركب فى سبيل الكشف والاستطلاع ، ويستسهل كل عسير فى سبيل المال والمتاع .

    وكذلك كان بيكون ـ الذى جرب العلم والحياة ، واستباح فى سبيل المال والمنصب ما لا يباح .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *