رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

     يتابع الأستاذ العقاد تقصى كتابات الشيخ محمد عبده ، فيورى بأنه لم يجد فى كتاباته أنه أراد أن ينشئ له مذهبًا خاصًّا فى المسائل الإلهية كالمذاهب التى تسمى بالنظم فى اصطلاح الفلسفة الحديث .

      ولكنه وجد آراءه كاملة فى كل مسألة من المسائل ، مبسوطة فى تعليقاته على أقوال الفلاسفة أو المعتزلة أو المتكلمين  أو المتصوفة ، ووجده مستقلاًّ بمنهجه يمتاز بطابعه الخاص فى الفهم والتحقيق . وهو طابع الفكرة العقلية العملية ، الصالحة للتعليم والإفادة بالتربية والهداية .

     فهو مع الفلاسفة الإلهيين فى مسألة الوجود الإلهى أو الوجود المطلق ، ولكنه لا يقف بإدراكه للقدرة الإلهية عند استحالة الخلق من العدم . فالوجود المطلق لا يستحيل عليه أن يفيض نعمة الوجود على خلقه .

    وهو مع المعتزلة فى تحكيم العقل والاستهداء به إلى هدى الدين ، ولكنه لا يرى رأيهم فى الاستغناء بالعقل وحده ، لأنه يفرق بين مطابقة الدين للعقل وبين الاكتفاء بالعقل فى المسائل النظرية والشرعية .

      وهو مع المتكلمين فى استخدام القضايا المنطقية ، ولكنه يأخذ على الغلاة منهم أن استخدامهم المنطق يذهب بهم إلى السفسطة أحيانًا .

      وهو مع المتصوفة أو حكمائهم ، ولا سيما الأخلاقيين ، لأن التصوف عنده رياضة خلقية على هدى الرياضة العقلية ، ولكنه يرى لهذه الرياضة جانبًا غير الجانب الحسى من الحياة الدنيوية يسميه « ذوقًا » ، ويحمد لصاحبه ترويض ضميره ووجدانه ، دون أن يدين به أحدًا من المقيدين بالحياة الطبيعية أو الحياة الحسية .

        وجماع القول ـ فيما يرى ـ أن مذهب الأستاذ الإمام كان مذهب « المصلح الإسلامى المفكر » .. الذى أعطى التفكير النظرى كل حقه ولكنه أخذ منه حق العمل على الإصلاح الرشيد المستنير ، واستخلص منه العقيدة الإسلامية خالصة من عقبات الجمود والخرافة التى تصدها عن التقدم ومسايرة الزمن والتأهب للحياة بالعقل البصير والضمير الحى والكفاية الخلقية والمادية .

       وقد كان له فى مذهبه هذا تلاميذ فى أرجاء العالم الإسلامى يؤمنون بالفكر والعقيدة ، وكان أكثر هؤلاء من قادة الفكر المتدينين يقومون بواجبهم المضاعف فى كل بلد إسلامى كما قام به الأستاذ الإمام فى وطنه  .

      وقد انتشرت دعوته للإصلاح أوسع انتشارها بين قراء تفسيره للقرآن وفتاواه ومقالاته وفصوله ، وكان مسلمو الهند يتوجهون إليه بالاستفتاء فى كل مشكلة اجتماعية تصطدم عندهم بالعقيدة ، فلما تسامعوا فى الهند بانقطاع الأستاذ الإمام عن إدارة الأزهر ، وشاع أنه سيهجر التدريس ، وقع منهم النبأ موقع الهول الذى لا يحتمل .

        وكتبت صحيفة الرياض بعد نشر الخبر وخطاب الخديو ـ كتبت تقول : » عجبنا وعجب كل مسلم في الهند من حكم سموه الذي قضى به في جمع حافل من العلماء وشدد النكير على حزب المصلحين وجماعة المخلصين … فالآن يصدق على من يخرج من الأزهر: ليس له في الدنيا نصيب وما له في العلوم الإسلامية من خلاق. «

    وكان للنبأ فى البلاد العربية صدى كصداه فى البلاد الإسلامية غير العربية ، وخشى المصلحون أن تصيب هذه النكسة حركة التجديد من جرّاء الحملة التى شنها الجامدون وسماسرة الكذب ، ولكن اتضح لهم بعد الغاشية الأولى أن دعوة الحرية الفكرية أقوى من أن تصدها عن طريقها مكيدة مفتعلة  .

       وفى مصر كانت مبادئ المصلح الحكيم تسرى سريانها العميق إلى العقول الفتية وعقول الكبار من ذوى النيات السليمة .

       ولكن المصيبة بفقد المفتى بعد اعتزاله إدارة الأزهرـ هيأت لهذه الدعوة الفكريـة ـ حشودها الجامعة التى لم تتهيأ قبل ذلك لأى دعوة من الدعوات ، مع أنه لم يكن للمفتى الذى لا قى ربه ـ حزبٌ ولا أداة منتظمة تسخر أعوانه لجمع الجموع وتسيير المواكب ، بل وكان صاحب السلطة الرسمية يعاديه ويجهر بهذا العداء ويغضب على من شيعوا جثمانه .

     بيد أن ذلك الصدّ الرسمى لم يفلح ، وجاوز زحام مشيعيه كل ما قدرته الشرطة واتخذت له حيطتها فى القاهرة والإسكندرية منذ الصباح الباكر قبل خروج النعش من داره  .

       تعطلت حركة الأسواق ، وأغلقت الدكاكين أبوابها للمشاركة فى موكب الجنازة ، واكتظت الشوارع والأرصفة بالواقفين والسائرين ، وكتبت الصحف عن هذا الموكب الحافل ، فقالت صحيفة الفارودى ألكسندرى : « إن توارد الجماهرية لتشييع الجنازة يخمد أنفاس القائلين بأن المفتي لم يكن محبوبًا في الأمة المصرية » . وقالت صحيفة ليچيبت : « إنه مشهد مهيب من أجَلّ المشاهد وأشدها تأثيرًا في النفوس . كان يشتد زحامه بجماهير الناس المصطفين على جوانب الطريق التي مر بها حتى لقد توقفت حركة التجارة فيها ، وكان الناس في سكون وإجلال خلال مرور الجنازة ، يخيل إلى الرائى أن جميع سكان القاهرة الوطنيين قد حضروا ليؤدوا آخر فريضة من الإجلال والإعظام لذلك الشيخ الجليل ، وبينهم عدد عظيم من الأوروبيين. «

 

الفلسفة الاجتماعية

 

   من البديهى أن الفيلسوف المصلح لا يقصر تفكيره على العقليات والإلهيات ، أو ما وراء الطبيعة ، إذْ لا بدَّ له ـ وهكذا كان الأستاذ الإمام ـ من فلسفة اجتماعية فى إصلاح المجتمع على مبادئه التى يتوخاها ويتخذها هاديًا له إلى فضائل المجتمعات المثالية ومواطن عيوبها التى يجتهد فى تبديدها أو إزالتها .

      وفلسفة الأستاذ الإمام الاجتماعية مفصلة واضحة فى كل ما كتبه ، لبابها فلسفة أخلاقية لا تفرق بين مشاكل الاجتماع ومشاكل الأخلاق ، ولا مشكلة فى العلاج إذا توفرت العزائم على علاج آفات الخُلُق فى الفرد والجماعة .

 

الفلسفة الأدبية

 

      يشير الأستاذ العقاد إلى أن آراء محمد عبده ـ المفتى الأكبر ـ فى الفنون الجميلة ، أقرب إلى سعة الأفق التى امتاز بها هذا العقل الراجح من سائر آرائه فى المسائل العقلية والاجتماعية . كان يكتب ليحبب الفنون الجميلة إلى الناس ، فى الوقت الذى كان الرأى الشائع أن النحت والتصوير حرام مستنكر . كتب محمد عبده ليصحح ويوضح وينوه بمعنى الإقبال على هذه الفنون الجميلة عند الغربيين ، أنها عندهم كالشعر عندنا ، وأنها لغة نفسية تفرق فى تعبيراتها بين أدق المعانى .

     ويعرض الأستاذ الإمام لحكم الشريعة فى تلك الفنون فيقول : « ربما تعرض لك
مسألة عند قراءة هذا الكلام وهي : ما حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية  إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية أو أوضاعهم الجثمانية ـــ هل هذا حرام أو جائز؟ أو مكروه أو مندوب أو واجب ؟ . فأقول لك إن الراسم قد رسم والفائدة محققة لا نزاع فيها ، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال ، أو الصورة ، قد محى من الأذهان »  .

     كان محمد عبده الناقد البليغ يوقن أن اللغة مادة البلاغة وجمال التعبير ، وكان من شواغله الكثيرة شاغل واحد هو إحياء اللغة مادة وعلما ودراسة وكتابة . فكان يعين جماعة إحياء الكتب العربية بعلمه ووقته وماله ونفوذه ، وكان ينشر نماذج البلاغة السلفية ويشرحها بقلمه أو ينوه بها في دروسه وتفسيراته من قبيل نهج البلاغة ومقامات البديع ودلائل الإعجاز وأسرار البلاغة . ومن أهم المراجع اللغوية التي بذل الجهد في استحضارها وتشجيع الواقفين على طبعها كتاب المخصص لابن سيده ، وهو نوع من المعجمات المبوبة على حسب المعاني والأغراض أنفع من أكثر المعجمات التي لا عناية لها بغير جمع المفردات .   

      والواقع أن تتبع الفيوض التى استرسل فيها الأستاذ العقاد ـ أوسع من أن تتسع له هذه الصفحات ، وحسبنا ختامًا ـ ما ختم به الأستاذ العقاد هذا الكتاب الضافى :

     « وهذا المصلح المحسن الذي لم يفارقه شعور الحاجة قط ليغني ذوي الحاجات ، لم يخامره الشعور بالحاجة يوما ليطلب الغنى بما تملكه الأيدي ويحفظ في صكوك المواريث » .

                 ( انتهـــى )

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *