رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

مع الأفغانى

      خصص الأستاذ العقاد هذا الفصل لبحث علاقة محمد عبده بأستاذه جمال الدين الأفغانى ، وما تلقاه عنه ، وما أثّر فيه ، ويرى أن لقاء محمد عبده بالأفغانى كان أهم حادث فى حياة الفتى الناشئ ، لأنه ردّه إلى سجيته ، وأقامه على جادة العلم والعمل .

      كان محمد عبده قد صدمته الحياة العامة كما يحدث لمن يخرج يافعًا من معيشة الأسرة القائمة على المودة والعطف ، إلى الكفاح بين الناس على ما جروا عليه من الرياء والأثرة وتنازع البقاء ، خاصة وأن الفتى فقد شيخه القروى من أخوال أبيه بوفاته ، وفقد نصحه والاستئناس به  .

      وعن الأفغانى ، فقد كتب عنه تلميذه المسيحى « أديب اسحق » ، وما كان فيه بين العزلة والعمل ، حتى داخله شىء من التصوف ، فانقطع حثيثًا بمنزله يطلب الخلوة ، إلاَّ أن صيحة الحياة كان لها قوة فى سمعه ، فاقتحم معركة الحياة فى بـلاده ، وانتصـر للأميـر « محمد أعظم خان » ، وشهد الحروب والوقائع الساخنة فازداد جرأةً  واستخفافًا بالموت ، ولم يترك ـ كغيره ـ دائرة الأمير محمد أعظم خان عندما دارت الدائرة عليه .

      وحضر التلميذ محمد عبده دروس أستاذه جمال الدين فى كتب المنطق والحكمة والتصوف وأصول الدين ، وكانت أحاديث هذا المصلح العظيم ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أعظم وقعًا وأعمق أثرًا من دروس الأوراق والكتب ، وكان من دأبه أن يستخرج قوة حيّة تسرى إلى النفس فتحركها إلى العمل ، وهذا هو خير أساليب الأساتذة ، وبه رد الأفغانى تلميذه محمد عبده إلى طبيعته العملية وعزز ثقته فيه . ولم تكن هذه الثقة طارئًا جديدًا على سليقة الطالب الناشئ ، ولمحها الأستاذ البصير فزادها وقوّاها فى نفسه .

      كانت خطة الأستاذ الأفغانى للإصلاح ، أن يبدأ بتأسيس « دولة وحدة » على الأقل ، صالحة لقيادة العالم الإسلامى فى معترك السياسة الدولية وفى تنفيذ برامج النهضة والهداية العملية  .

      ويرجع الأستاذ العقاد هنا إلى سليقة التصوف عند الرجلين ، لمعرفة سر الإقدام فى أمور الممالك والعروش ، ومواجهة سلطان المالكين  .

     فألزم خلائق الصوفى المطبوع ، أن يستخف بعظمة الدنيا وأن تهون عليه رهبتها ، ولا يهابها ولا يتهالك عليها  .

      نزل الأفغانى مصر ـ فى وقت كان الخديو عباس الثانى يشكو من مسلك محمد عبده واعتزازه بنفسه فى حضرته ، وقد أخرجته الأحوال عن عزلته لينصر أحد الأميرين على أخيه . فرأى أن  ينصر محمد توفيق على حكم إسماعيل الذى جرى التفكير فى عزله بإغراء الدول أو إغراء السلطان ، وإسناد العرض إلى خليفته محمد توفيق ، إلاَّ أن أمل الأفغانى خاب عندما استبانت خديعة توفيق مع ضعفه عن مقاومة الدول الطامعة فى مصر ، حتى إنه كان يحرص ـ كما أورد المؤرخ المشهور « ألفريد بتلر » ـ يحرص على أن يحتفل بمجاملة ممثليهم فى حضور موظفيه ، ويؤثر أن يحادثهم بلغاتهم وبرموز الحروف الهجائية ليخفى الموضوع عن سامعيه من موظفيه !

     ولسوء فعل توفيق ، ساءت ظنونه فى الأفغانى ، فاتفق مع وكلاء الدول على إقصائه والإعراض عن حزبه ، ومالأه  فى ذلك رجال الحاشية الخديوية ، فنفى الأفغانى نفيًا مقرونًا بمسبّة لا تُمحى فى منشور بذىء صدر لهذا الغرض .

      وحين أُجبر الأفغانى على الرحيل عن مصر بعد أن مكث فيها نحو ثمانى سنوات ، أوصى بمتابعة تلميذه وخليفته محمد عبده ، الوصى الأمين ، وظل يذكره فى رحلاته واصفًا إيّاه بالأخ الصديق .

     على أن الأستاذ العقاد استوقفه ـ كما استوقف محمد رشيد  رضا تلميذ الإمام ـ كتابٌ غريبٌ كتبه محمد عبده إلى الأفغانى ، لهج فيه بالتعظيم والتقديس لهجًا غير معهود فى أسلوبه منذ صباه إلى ختام حياته ، وبالغ محمد عبده فى اتضاعه والارتفاع بأستاذه مبالغةً تخالف المعهود من عرفانه بنفسه مع عرفانه لأعظم الناس قدرًا  .

        ودفاعًا ـ فيا يبدو ـ عن محمد عبده ، أورد الأستاذ العقاد أن هذا الأسلوب ( المنعى عليه ) لم يتكرر قط فى خطاب أو مقال للأستاذ الإمام ، لأنه فيما يرى أسلوب الساعة التى لا تتكرر فى حياته ، إلاَّ أن عبارات الخطاب تنسف أى دفاع ، وكان الواجب أن يلقى هذا التصرف من التحليل النفسى ما يكشف أغواره ، سيما وقد اقترن بموقف آخر تحاشى الأستاذ العقاد بيانه فيما كتبه من تضعضع وتحامل على الزعيم أحمد عرابى فى مذكرات رفعها محمد عبده للخديو توفيق بناءً على طلبه وفقًا لما أفصح عنه محمد عبده فى تقديمه لها .

       ومع ذلك فقد أورد الأستاذ العقاد بعض ما ورد فى الكتاب الغريب الذى سطره محمد عبده إلى أستاذه الأفغانى ، وقال له فيه  : « تناولت القلم لأقدم إليك من روحى ما أنت به أعلم ، فلم أجد من نفسى سوى الأفكل ( الرعدة ) والقلب الأشل ،  واليد المرتعشة ، والفرائص المرتعدة ، والفكر الذاهب والعقل الغائب ، كأنك يا مولاى منحتنى نوع القدرة للدلالة على قوة سلطانك فاستثنيت منه ما يتعلق بالخطاب معك والتقدم إلى مقامك الجليل » .

       ومما يذكر لمحمد عبده ، أنه وهو منفى فى بيروت ، عوّل على اللحاق بأستاذه فى باريس بعد نحو عام من إقامته فى بيروت ، حيث أصدرا معًا جريدة « العروة الوثقى » لمساندة الشعوب المغلوبة على أمرها ، وشن حملة على الاستعمار ، وللأسف لم يصدر منها سوى ثمانية عشر عددًا فى ثمانية شهور توقفت بعدها لمحاصرتها ومصادرتها فى جميع البلاد الإسلامية .

     لبثَ الأفغانى فترة ، ثم أزمع الترحال إلى عاصمة القياصرة فى روسيا ، لرفع الظلم عن الرعايا المسلمين هناك ، وكف عداوة روسيا التقليدية لدولة الخلافة ، والانتفاع من المنافسة القديمة بين الروس والإنجليز فى المسألة الشرقية .

     أما الشيخ محمد عبده ، فقد عاد إلى بيروت باقتناع عقم المحاولات السياسية وضعف الأمل فى الملوك والأمراء ، ووجوب التعويل على الأمم دون غيرها ، ومع أن هذا التحول بالغ الأهمية فى مراجعة محمد عبده لموقفه المتحفظ من الثورة العرابية ، إلاَّ أن هذا التحول لم يلق قبولاً لدى الأفغانى ، ورد ردًّا قاسيًا على الأستاذ الإمام ، قائلاً له : « إنما أنت مثبط » ، ورد الأفغانى عليه ردًّا عنيفًا غاية فى العنف على مذكرة أخرى ، قال له فيه : « تكتب لى ولا تمضى تعقد الألغاز .. مَنْ أعدائى ؟ وما الكلاب كثرت أو قلت ؟ .. فكن فيلسوفًا يرى العالم أُلعوبة ولا تكن صبيًّا هلوعًا  » .

    وعن ذلك كتب الأستاذ المؤرخ عبد الرحمن الرافعى فى كتاب « الثورة العرابية » ما اعتبره ضعفًا فى شخصية الأستاذ الإمام ، وتخلفه عن الكفاح السياسى واختلافه فى هذه الناحية مع أستاذه جمال الدين الأفغانى ، وانقطاعه عنه منذ عودته إلى مصر سنة 1889م ، وأضاف الرافعى يقول : « وإنك لتلمح تراخى الصلات بينهما ، حتى الصلات الشخصية منذ أن عاد إلى مصر حتى وفاة السيد جمال الدين من قراءة منتخبات الأستاذ الإمام . فإنك لا تجد فيها رسالة واحدة كتبها إلى السيد فى محنته ومنفاه . بل إن جمال الدين توفى سنة ١٨٩٧م فلا تجد للأستاذ الإمام كلمة فى رثاء أستاذه الروحى والفلسفى ،  وزميل جهاده فى العروة الوثقى . وهذه الناحية هى أثر من آثار الاحتلال فى أخلاق الأمة ونفسيتها » .

    وفى اعتقادى ، أن عبارة الأستاذ الرافعى الأخيرة ، تكشف عن أسباب ما اعتبره ضعفًا فى شخصية الأستاذ الإمام ، وإنما هو الخُلف قد دبّ بينهما ، ففسدت العلاقات ، وظنى أن هذا الواقع كان يغنى الأستاذ العقاد عما ساقه من دفاع عن الأستاذ الإمام .  

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *