رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

النسب والنشأة

       الاسم كاملاً « محمد بن عبده بن حسن خير الله » ـ نشأ الطفل فى بيت من بيوت القرية المتوسطة ، لا يحسب من أفقرها ، ولا يحسب من أغنيائها .

     عدة القرية لا تزيد على ألف نسمة عند نهاية القرن التاسع عشر.

   والمعلوم عن البيت الذى نشأ فيه ، أن أبناءه كانوا يزرعون أرضهم بأيديهم ،  ويستأجرون معها أرضًا يتعاونون مع جيرانهم على زراعتها ، وكفل لهم الجد والاستقامة والصلابة أن يزيدوا مواردهم حتى بلغت ملكيتهم نحو أربعين فدانًا  عند نشوب الثورة العرابية .

     وغير معروف من أفراد تلك الأسرة غير قليلين:  جده حسن خير الله ، وعمه حسن خير الله ، وابن عمه إبراهيم ، وأخواه من أبيه : على ومحروس ، وشقيقتاه : زمزم ومريم ، وأخوه من أمه : مجاهد .

    ويذكر الأستاذ العقاد أن البحث اقتضاه « سبر» عادات الأسرة فى تسمية أبنائها ، فلاحظ أن الأسماء تراوحت بين الأنبياء وأعلام الصحابة ، فمن أسمائهم محمد وإبراهيم وعلى وحسن وعثمان ، فضلاً عن زمزم ومريم ، ومنها اسم بهنس ومعناه  الذى يمشى مشية الأسد أو مشية الفارس المتبهنس ،  وهو اسم يدل  على عراقة فى حب الفروسية بين أجيال الأسرة .

    ويرجح الأستاذ العقاد أن هذه العادة فى التسمية كانت مقصودة دالة على حال الأسرة وغير منقطعة عن معانيها .

      واقترن اسم   »محمد » «باسم أبيه عبده » . الاسم إسم النبى عليه السلام ، واللقب يومئ إلى « عبد الله ورسوله » .

    وقد يبدو فى هذا التعقيب غير قليل من الاعتساف للتوفيق ، والمهم ما قفى به الأستاذ العقاد ـ من باب أغلبية الظن ، أن « محمدًا » نذر من يوم مولده لطلب العلم ، فقد ولد فى أواخر سنة ١٢٦٥ هـ أو أوائل السنة التى تليها ،بجوار مدينة طنطا ، حيث يحتفل المريدون فى أنحاء الإقليم بإحياء ذكرى السيد بدوى .

     فإذا كان الوالد المغترب قد شهد بالمسجد ليلة الختام وما يصاحبها من تسابق الفتية الصغار على تجويد القراءة والاستعداد لطلب العلم بمعهده الذى كان يُسمى بالأزهر الصغير ، أو الأزهر الثانى ، فإنه ليس ببعيد أن يخطر للوالد أن يندر وليده فى هذا الجوار لمثل هذه الكرامة .

*         *         *

     بقي الطفل الصغير بعد عودة أبيه إلى محلة نصر معفيًّا من تكاليف العمل فى الحقل حيث تعلم القراءة والكتابة فى منزل والده ، ثم عهد به إلى حافظ معتقد لتحفيظه القرآن ، ثم أرسل فى طلب العلم إلى طنطا . ومن ذكائه أنه تعلم الكتابة وحفظ القرآن فى نحو سنتين .

    وعن نشأته وتربيته كتب الأستاذ الأمام :

     « تعلمت القراءة والكتابة فى منزل والدى ، ثم انتقلت إلى دار حافظ قرآن قرأت عليه وحدى جميع القرآن أول مرة ، ثم أعدت القراءة حتى أتممت حفظه جميعه في مدة سنتين ، أدركنى فى ثانيتهما صبيان من أهل القرية جاءوا من مكتب آخر ليقرأوا القرآن عند هذا الحافظ ، ظنّا منهما أن نجاحي فى حفظ القرآن كان من أثر اهتمام الحافظ . وبعد ذلك حملنى والدى إلى طنطا ، حيث كان أخي لأبى الشيخ مجاهد رحمه الله ، لأجود القرآن فى المسجد الأحمدى لشهرة قرائه بفنون التجويد ، وكان ذلك فى سنة ١٢٧٩ هجرية .

    « وفى سنة مائتين وإحدى وثمانين هجرية جلست فى دروس العلم ، وبدأت بتلقى شرح الكفراوى على الأجرومية في المسجد الأحمدى بطنطا ، وقضيت سنة ونصفًا لا أفهم شيئًا لرداءة طريقة التعليم ، فإن المدرسين كانوا يفاجئوننا باصطلاحات نحوية أو فقهية لا نفهمها، ولا عناية لهم بتفهيم معانيها لمن لم يعرفها فأدركنى اليأس من النجاح وهربت من الدروس ، واختفيت عند أخوالى مدة ثلاثة أشهر، ثم عثر علىَّ أخى فأخذنى إلى المسجد الأحمدى ، وأراد إكراهى على طلب العلم ، ولم يبق علىّ إلاّ أن أعود إلى بلدى وأشتغل بملاحظة الزراعة كما يشتغل الكثير من أقاربى ، وانتهى الجدال بتغلبى عليه، فأخذت ما كان لى من ثياب ومتاع، ورجعت إلى « محلة نصر» على نية ألاّ أعود إلى طلب العلم ، وتزوجت فى سنة ١٢٨٢ هـ على هذه النية.  

    « فهذا أول أثر وجدت فى نفسى من طريقة التعليم فى طنطا ، وهي بعينها طريقته فى الأزهر … وهو الأثر الذى يجده خمسة وتسعون في المائة ممن لا يساعدهم القدر بصحبة من لا يلتزمون هذه السبيل فى التعليم … سبيل إلقاء المعلم ما يعرفه أو ما لا يعرفه بدون أن يراعى المتعلم ودرجة استعداده للفهم ، غير أن الأغلب من الطلبة الذين لا يفهمون تغشهم أنفسهم فيظنون أنهم فهموا شيئًا ، فيستمرون على الطلب إلى أن يبلغوا سن الرجال ، وهم في أحلام الأطفال، ثم يبتلى بهم الناس وتصاب بهم العامة ، فتعظم بهم الرزية لأنهم يزيدون الجاهل جهالة، ويضللون من توجد عنده داعية الاسترشاد ، ويؤذون بدعاويهم من يكون على شىء من العلم، ويحولون بينه وين نفع الناس بعلمه. «

 

عودة إلى طلب العلم

 

     « بعد أن تزوجت بأربعين يومًا، جاءنى والدى صحوة نهار وألزمنى بالذهاب إلى طنطا لطلب العلم … وبعد احتجاج وتمنع وإباء، لم أجد مندوحة عن  إطاعة الأمر، ووجدت فرسا أحضره فركبته ، وأصحبنى والدى بأحد أقاربى  وكان قوى البنية شديد البأس ، ليشيعنى إلى محطة « إيتاى البارود » التي أركب منها قطار السكة الحديد إلى طنطا.

    « كان اليوم شديد الحر، والريح عاصفة ملتهبة ، تحصب الوجه بشبه الرمضاء … فلم أستطع الاستمرار في السير، فقلت لصاحبى : أما مداومة المسير فلا طاقة لي بها مع هذه الحرارة ، ولا بد من التعريج على قرية أنتظر فيها حتى يخف الحر … فأبى على ذلك فتركته، وأجريت الفرس هاربًا من مشادته ، وقلت إني ذاهب إلى (كنيسة أورين) بلدة غالب سكانها من خُئولة أبى . وقد فرح بي شبان القرية لأننى كنت معروفًا بالفروسية واللعب بالسلاح وأملوا أن أقيم معهم مدة يلهو فيها كل منا بصاحبه … أدركنى صاحبى وبقي معى إلى العصر، وأرادنى على السفر فقلت له خذ الفرس وارجع وسأذهب صباح الغد، وإن شئت قلت لوالدى إننى سافرت إلى طنطا … فانصرف وأخبر ما أخبر، وبقيت فى هذه القرية خمسة عشر يومًا تحولت فيها حالتى ، وبدلت فيها رغبة غير رغبتى » .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *