رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

خـاتمـة

     يختم الأستاذ العقاد هذا الكتاب ، بأنه تمت فى هذه الصفحات « رسالة موجزة » فى موضوع من موضوعات المقارنة بين الأديان والعقائد ، يدور حول تصوير « قوة الشر » من عهد القبائل البدائية حتى القرن العشرين .

      والمقارنة بين الأديان والعقائد علم حديث من علوم القرن التاسع عشر ، وقد انتصف القرن العشرون ـ وقت وضع هذا الكتاب ـ ولا تزال الكشوف الأخيرة تتوالى فيه وينسخ بعضها بعضًا أو يشير بانتظار النهاية بعد خطوات لا تزال لم تبرح أوائل الطريق .

      ويشير الأستاذ العقاد إلى أنه وهو يختم هذه الرسالة ، صدرت الأجزاء الأخيرة ـ من السابع حتى العاشر ـ من موسوعة « أرنولد توينى » ، وفى نهاية الجزء السابع منها تعقيب على الظاهرة الغامضة التى كشفت عن التشابه القريب بين عقائد القبائل البدائية فى القارات الخمس ، وانقسام المفسرين لهذه الظاهرة إلى فريقين :

      فريق يرى أن الإنسان تلقى إلهامًا بالوحدانية قبل التاريخ قبل افتراق القارات الخمس (التى كانت كتلة أرضية واحدة) .

      وفريق يرى أن الطبيعة الإنسانية تتقارب فى وحى البديهة وتستلهم شعورًا واحدًا بما وراء المادة المشهودة .

      وسيمضى وقت طويل قبل أن تتحد النتائج بين الفريقين .

      هذا والفائدة المبكرة ـ فيما يبدى ـ التى خلصت للعقل الإنسانى من بواكير البحث فى علم المقارنة بين الأديان والعقائد وعلم الدراسات النفسية ، هى أن مقاييس الحقائق تختلف وتتعدد ، وأن الحقائق لا تقاس كلها بأرقام الحساب وأنابيق المعامل وتجارب الطبيعيين ومناظر الفلكيين . (الأنابيق ومفردها إنبيق ـ وهو جهاز تُقطر فيه السوائل) .

      فها هنا حشد من العقائد والأخيلة تمتلئ بها مسيرة النوع الإنسانى فى نحو مائة قرن يدركها التاريخ .

      ونتيجة هذا الطريق الذى قطعه النوع الإنسانى ـ أعطى الحياة النابضة لكل خُلُقٍ من أخلاق الخير والشر ، والقداسة واللعنة .

      وأعلم العلماء اليوم ـ لا يستطيع أن يُقيم من الفوارق الحية المحسوسة بين خُلُق وخُلُق ـ فارقًا واحدًا .

      فالفارق الذى نفهمه ونحسه ونحياه يختلف حين نتكلم عن الخلائق الإلهية والخلائق المَلَكيَّة والخلائق الشيطانية ، أو عما يجملها من الخلائق السماوية والخلائق الأرضية والخلائق الجهنمية .

      والعلماء الذى يستعيرون تعبيراتهم المجازية من هذه الفوارق ـ لا يفعلون ذلك لعبًا بالألفاظ أو تظرفًا بالتمثيل والتشبيه .

      ولكنهم يستعيرون ذلك التعبير لأنه أول وأوضح وأقوى من كل تعبير يُسْتعار من المدرسة النفعية والمدرسة السلوكية والمدرسة الانفعالية ومدارس روح الجماعة وتضامن الهيئات والبيئات .

      فهذه الحقائق الوجدانية والقيم الروحية ـ لا تقاس بمقياس الأرقام وأنابيق المعامل ، ومن يقيسها بهذا المقياس سيخطئ لا محالة .

      نعم ؛ قد تتعدد المقاييس وتتعدد القيم ، ولكن من المقاييس ما يصلح وما لا يصلح للقياس .

      خذ مثلاً حنان الآباء والأمهات ـ قد يغدو لغوًا باطلاً فى قياسات الحس وتجارب المعامل وأرقام الحساب، ولكنه الحقيقة التى تجاوز إمكانية هذه القياسات . هذا الحنان فى صدر ووجدان كل والد ووالدة ، ولا يقاس بهذه المقاييس الحسابية .

      وقد يجد الرامى لتعقب القيم الوجدانية التى ران بها الإنسان منذ جهالته الأولى ـ قد يجد فيها ما يعاب ، ولكن السؤال الفصل هنا : هل توجد هذه القيم الوجدانية لإنسان ناقص ينمو ويكبر ، أو توجد لإنسان كامل معصوم من نشأته الأولى ؟

      إن عقيدة تصلحها عقيدة بعدها كالمعرفة ، تصلحها معرفة تليها وتقوم عليها ، بيد أن هذه العقيدة وتلك لا تسقط العلم .

      فماذا قدم أدعياء العلم ؟

      قدموا الديانة المادية الاقتصادية ، وقرروا فيها أن احتكار الفلوس هو الذى يخلق الأديان والأفكار ، ويقوم القيم ، ويرفع الطبقات .

      إلاَّ أنه لم يمض على قيام هذه الديانة جيل واحد ـ حتى سُمِعَ عَلَمٌ من أعلامها يأسف ويأسى ثم ينعى على زملائه أنهم يختارون لإدارة المعامل وتنظيم الحكومة أذنابًا من المقربين إليهم ، ويقصون عنها ذوى الكفاية والغناء فى العلم والعمل والسابقة المذهبية !

      قال الأستاذ العقاد فى بداية هذه الرسالة إن ظهور إبليس فى عقائد الناس كان علامة خير لأنه علامة التمييز بين الشر ونقيضه .

      وهو يقول فى ختامها إن بقاءه بعد المادية الاقتصادية ـ علامة أخرى . فالكون الذى يبقى فيه إبليس ملعونًا ـ أشرف من الكون الذى لا يميز القداسة واللعنة ولا يعرف شيئًا يلعنه لأنه لا يؤمن بإله غير الفلوس !!

                                    ( انتهى )

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *