رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

شياطين الشعراء والكتاب

 

       مقصد هذا الفصل استبيان صورة الشيطان فى أعمال الشعراء والكتاب .

      وخيال الشعراء يعمل فى تصوير كل كائن غير منظور ولو لم يكن من خلق الشاعر ، وشيطان الأديان لم يخلقه الشعراء ، ولكنه صورة فقط فى الصور التى تتمثل للعين .

      ويندر من الشعراء خاصة ـ من سمع بالشيطان ولم يصوره فى الصور التى تتمثل للعين . وقد صنع له المثّالون الغربيون تماثيل على صورة الإنسان ، ولكن ذات ذنب وقرنين وظلف كأظلاف الجواد .

      وجاء فى الشعر العربى ما يصلح أن يُنْقل منه تمثال محسوس ، وقد صوره كل شاعر وفقًا لإحساسه وتصوره له ،  وما يسعفه به خياله . فجعلوه على شكل إنسان منحرف أو مشوه الخلقة ، ومن ذلك وضع العين بالطول وتخيله بعين واحدة ، بينما على العكس صور شاعر الفرس : السعدى الشيرازى ـ صور الشيطان الذى رآه فى الحلم  بأنه « بقامة كفرع البانة وعينين كأعين الحور ، وطلعة كأنها تضىء بأشعة النعيم » ـ فلما علم أنه الشيطان أدهشه أن يكون الرجيم البغيض بهذه الوسامة المحبوبة .

     ويذكر الأستاذ العقاد أنه لا يعنيه فى هذا الفصل نقل الصور « الحسية » التى اخترعها الشعراء والفنانون لذلك الكائن المحتجب ، ولكنه يجمع هنا بعض أوصافه التى تقع فى روع المتخيل أو تعرض للفهم عن طريق التفكير والاستنباط ، وقدرة الشاعر على إبراز الشخصيات وتلوينها بألوانها الخَلْقية .

      ومن أشهر « الشخصيات » الشيطانية فى الأعمال المسرحية ، ما صوره مارلو وجيتى وملتون وبليك وكاردوتشى ـ من شعراء القرن السادس عشر وما بعده . فإنهم قد خلعوا على الشيطان مسحة مسرحية من فنهم ، ولم يكن تصويرهم للشيطان كله من نسخة منقولة من الشيطان كما صورته كتب اللاهوت .

       وهنا يطوف الأستاذ العقاد ببعض أعمال الشاعر الإنجليزى « كريستوفر مارلو » المولود فى سنة 1564 ، والذى ظهرت فى حياته قصة السامر فستوس بالألمانية ثم ترجمت إلى الإنجليزية ، والحوار الدائر فيها بين فوستون والشيطان .

      وملتون صاحب الفردوس المفقود الذى أتى بعد مارلو بفترة وجيزة (1608 ـ 1674) ، ولكن الشيطان الذى صوره ملتون أهم من الشياطين « الشعرية » التى صورها من سبقوه ومن لحقوه فى هذا الموضوع بين شعراء الغرب ، وكان ملتون من المتدينين المتطهرين ، وأمين السر اللاتينى فى حكومة الثورة ، وكان وثيق الصلة بالقائد كرومويل الذى قاد الثورة على الملك شارل الأول . وقد أصيب ملتون بالعمى فى أواخر أيامه ، فشمت فيه شارل الثانى وعايره بأنه فقد بصره جزاءً على ما كتبه فى أبيه ، وببديهيته السريعة المشهور بها أجابه قائلاً : « وعلى أى ذنب عوقب أبوك بفقد رأسه ؟! » . هذا وإنْ كان ميلتون لم يبدع قصيدته كل الإبداع ، بل استعار من « جليوم دى بارتس » ( 1587 ) فى قصيدته أسبوع الخليقة ، واستعار من أفيتوس فى قصيدته عن الخليقة والسقوط والنفى من الفردوس ، واستعار أيضًا من القصص الشعبى الذى كان يدور حول مأساة آدم وحـواء ـ فإن الشاعـر « دريدن » قال إن الشيطان هو بطل ملحمة « الفردوس المفقود» التى أبدعها ميلتون ودَوَّنَ فيها من الشخصيات العلوية والسفلية ما كان محلاًّ لتقدير النقاد الأدبيين الذين جرت آراؤهم كرأى « دريدن » .

     ويورد الأستاذ العقاد جوانب مما دار من حوار فى هذا العمل ، والذى يورد فيه ميلتون صفات متقابلة للشيطان ، ويعدها الأستاذ العقاد اختلاف دورين لا اختلاف شخصيتين . فقد كان الفرق بين كروموبل وشارل الأول فرق الطرفين المتقابلين والعدوين المتقاتلين ، ولكنهما فى الطبائع الشخصية لا يتقابلان هذا التقابل على طرفى الميدان ، بل يتقاربان تقابل الأشباه والنظائر.

       والأديب « جون بنيام » مؤلف رحلة الحاج والحرب التى شنها شداى على إبليس ، فإن إبليسه غاصب محتل لمدينة الروح الإنسانية بالمدينة التى بناها ابن شداى ـ وهو اسم من أسماء الله عند العبريين ، ثم يستولى عمانويل على المدينة ويتغلغل فيها إبليس وجنوده بالمكر والدسيسة .

      أما الشيطان الذى يلى شخصية إبليس فى الفردوس المفقود لميلتون ، فهو شيطان رواية فاوست لشاعر الألمان الأكبر جيتى ( 1749 ـ 1832 ) ، وقد تقدم الحديث عنه تفصيلاً فى أوائل هذا المجلد من مدينة العقاد .

     وأغرب الشياطين الشعرية ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ هو الشيطان الذى ابتدعه خيال « وليام بليك » بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ، على أن هذا ليس أغرب من خيال الشاعر نفسه الذى ابتدعه ، فهو شاعر فى العصر الحديث يدين جدًّا وصدقًا بالمذهب الثنوى ومذهب المعروفيين « Gnostics » الذى ذهب معتقده بذهاب القرون الوسطى .

     وكان بليك من أتباع المتنبئ السويدى « سويد نبرج » الذى كان من أصحاب الرؤى المصدقين لما يعتريهم من حالات الوجد والنشوة الدينية .

      والشيطان فى خيال بليك يصح ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أن يكون فكرة مجردة كما يصح أن يكون روحًا إنسانيّا أو ملكًا من الملائكة المغضوب عليهم ،  بل يصح أن يكون عنوانًا يصنعه الشاعر على كل « شخصية » مفروضة تنتمى إلى الشر والخباثة .

      بعد ذلك يتحدث الأستاذ العقاد عن الشيطان فى أعمال كرودتشى ، وما جربه فى هذا المجال « هوجو جروتيوس » (1583 ـ 1645 ) ـ الملقب بأبى القانون الدولى ، والذى يبدو أن اسمه ( هوجو) ـ أوحى بعد زهاء قرنين ـ  إلى سميه الفرنسى الكبير « فيكتور هوجون » ( 1802 ـ 1885 ) أن يجرب قلمه وقريحته على نمطه .

       هذا إلى الصورة الشيطانية التى اقترنت باسم الشاعر الفرنسى « بودلير » صاحب ديوان « أزهار الشر » .

      وبعد هذه الرحلة الطويلة العويصة ، يشير الأستاذ العقاد إلى أنه لا يرى فى هذا الفصل موضعًا للشياطين التى تخيلها الشعراء ولم تدخل فى عداد الصور الخلقية وخوالج الوجدان فى الإنسان منفردًا أو جزءًا فى جماعة ، أما ما صوره الشاعر الروسى « منتوف » للشيطان فى إحدى قصصه ـ فلا يعدو أن يكون إنسانًا متنكرًا يزاحم الناس على العشق والشهوة ، وكذلك ما خلقه الشاعر الإنجليزى « بيرون » فى قصيدته « رحلة شيطان » ـ فإنه لا يعدو أن يكون مخبر صحيفة يحكى للقراء ما يروى فى المجالس النيابية ومجالس السمر .

      وبعد ، فهذه الشياطين ـ فيما يقول ـ قوى مشتركة فى طبائع الناس ، وقيم نفسية يقومها الناظرون فى الأخلاق والطباع !  

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *