رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

( 2 )   وزعم بعض النقاد العسكريين الأوروبيين أنهم يمتازون على الآسيويين والإفريقيين فى معدن الشجاعة والبطولة الحربية ، واستدلوا على ذلك بانتصار اليونان مع قلتهم على الفرس مع كثرتهم فى معركتى « ماراتون » و « سلاميس » .

      وهذا بدوره زعم باطل ، واستدلال فاسد .  

      فالأخبار التى وصلتنا لعب فيها الفخار الوطنى بما يحلو له بأخبار المعركتين فبالغ وأضفى على مبالغاته ثوبًا من الحماسة الخيالية خرج بها من حيز التاريخ الصميم إلى حيز الملاحم الهومرية  التى اتبعها « هوميروس » فى تأليف ملحمتيه الأسطوريتيـن : الإلياذة والأوديسة .

     فلم يدر فى خلد « دارا » الفارسى ، فى أى يوم من الأيام ، أن يستولى على أرض اليونان ، فلم تكن من أهدافه كونها جرداء لا تنفع لزراعة ولا لتجارة ، وإنما عناه أن يؤدب « أرتريا »  و « أثينا » لأنهما تجرأتا على معاونة اليونان الثائرين عليه فى آسيا الصغرى .

      وقد اغتنم « دارا » فرصة الشقاق فى أثينا بين المستبدين وأنصار الحرية ، وأخمد الثورة فى آسيا الصغرى ، ثم زحف على « أريتريا » يعصف بها وأرسل أهلها أسارى وسبايا إلى شطآن الخليج الفارسى ( العربى الآن ) ، ثم تقدم إلى أثينا وفى حسبانه أنها منقسمة ، فلما اتفقت كلمة الاثنتين على الدفاع عن بلدهم ، لم يشأ « دارا » أن يطيل الحصار ، لأنه لم يقصد إلى إسقاط المدينة ومن ثم لم يجد فى الأمر ما يستحق المطاولة والعناء .

     أما معركة « سلاميس » فقد كانت المصادقة فيها أغلب من التدبير ، حيث شُغِلَ الفرس بعد معركة « ماراتون » بالثورة المصرية ، ثم كان جيش الفرس مختلط الأجناس ، فضلاً عن أنه لم يكن بالضخامة التى صورها اليونان ، كما كانت كثرة السفن الفارسية عائقًا للأسطول ـ وليس ميزة ! ـ فى الموقعة البحرية .

     وحينما نشبت المعركة كانت الكفة الراجحة فى جانب اليونان ، واستحال إمداد
وتموين الجيش الفارسى لطول خطوط الإمداد وما خسره من السفن .

     فلم تكن المسألة إذن تفوق عنصر على عنصر أو جنس على جنس ، ولو كان اليونان فى الوضع الذى كان فيه الفرس لخسروا خسارة محققة .

     ليست المسألة اختلاف معدن ، وإنما اختلاف فى الأحوال والظروف والملابسات .

     وواجب على الذين يعتنقون تفوق العنصر الأوروبى ، أن يرجعوا إلى الحروب الصليبية ، ليروا كيف أن الصليبيين على وفرة جموعهم قد لحقت بهم الهزيمة إثر الهزيمة على أيدى الشرقيين وهم أقل فى العدد والعتاد .

      ويفوت أيضا أصحاب البدعة الآرية ، أن الفرس قديمًا من سلالة الآريين ، وأنهم أقرب إلى أمم الشمال من يونان الجنوب  .

      والعالِم النمسوى « فردريك هرتز » ـ يذكر اختلاط الزنوج بأهل أوروبا فى الزمن القديم ، وتدل عليه الجماجم التى وجدت فى ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وكرواتيا ومورافيا ، ووجود ما يشابهها فى أفريقيا الجنوبية .

      ويرد « هرتز » على زعم « شمبرلين » بمزية الآريين ، بأن المقابلة البسيطة بين شريعة الرومان وشريعة حمورابى فى معاملة المدنيين ، تثبت تقدم الشريعة الشرقية على شريعة الرومان التى تبيح للدائنين ـ فى اللوح الثالث ـ تقطيع لحم المدين واقتسامه فيما بينهم ، وأن يقتلوه فى مدى سبعة وعشرين يومًا من تاريخ القبض عليه .

       أما شريعة حمورابى فلا تقضى بشىء من ذلك ، وكل ما تبيحه تشغيل المدين لحساب دائنه لمدة أقصاها ثلاث سنوات ، بل وتحمى المدين فى خلال هذه الخدمة من سوء المعاملة والإرهاق ، هذا إلى فروق أخرى تثبت تقدم شريعة حمورابى على القانون الرومانى .

       ويضيف « هرتز » فى ردوده على « شمبرلين » أن أرسطو فى زمانه كان يطرى مواهب الآسيويين فى الفنون ويحكم على أمم الشمال بالعقم الذى لا علاج له فى المعارف الفنية والسياسية .

      ويحتج « هرتز » بما ذكره « ثوسيديد » المؤرخ اليونانى من أن اليونان كانت فى قبضة البرابرة ، وما ذكره « هيرودوت » من أنه كان يسمع فى زمانه لغة البرابرة فى بعض أنحاء وطنه .

    وأقام « كرشمر » و « كيسلنج » و « فك » ـ أقاموا الأدلة على أن سكان آسيا الصغرى وسكان اليونان كانوا جنسًا واحدًا من الآسيويين .

    والأقوال متفقة ـ كذلك ـ على أن « طاليس » رأس الفلسفة اليونانية من أصل آسيوى سامى ، وأنه تعلم فى البلاد المصرية ، وأن « زينون » رأس الفلسفة الرومانية آسيوى الأصل والنشأة ، ويزيد « فيرث » بأن « هومر» نفسه اسم سامى آسيوى محرف من « زومر » بمعنى المغنى أو الزامر .

      على أن « هرتز » لا يريد أن يقف بالإنصاف عند شعب أو جنس معين ، لأنه يرى أن الفواصل بين أى شعبين ليست من البعد بحيث تستعصى على التقارب .

     ويضيف الأستاذ العقاد أن الأسانيد والبينات على هذا التقارب والاختلاط ، أثبت حجة وبينة من كلام المغرقين فى تمجيد الأوروبيين وتفضيلهم على جميع الشعوب .

      فلا وقائع التاريخ ، ولا مباحث العلم ، ولا مشاهدات العيان ، تؤيد دعوى العنصريين الذين يختصون نخبة واحدة من الجنس البشرى بأفضل المزايا وأشرف الأخلاق  .

    هذا ووجود المشابهة فى بعض الأفراد ـ لا ينفى المخالفة فى عامة الأفراد .

    وعلى ذلك فدعوى التميز العنصرى ـ يعوزها الدليل على ما تدعيه من وقائع التاريخ ومباحث العلم ومشاهدات العيان .

     أما الاختلاف بين خصائص الأجناس فموجود ، وإن تفاوتت درجات ظهوره فى بعض الأفراد ، ولكنه لا يظاهر أصحاب التمييز العنصرى .

     ومن المشاهدات والبديهيات ، أن العزلة فى النسب وفى التعرض للمناخ والبيئة وأحوال المعيشة وعادات الاجتماع ، تعقب العزلة فى الصفات الجسدية والخلائق النفسية .

     وأظهر العلم ـ فيما يضيف الأستاذ العقاد ـ أن التوراث فى الخلقة والخلق ـ منوط بالناسلات «  Genes» ـ التى توجد فى خلايا الذكور والإناث ، وأن هذه الناسلات تتقارب فى أفراد القبيل الواحد كما تتقارب فى أفراد الأسرة الواحدة ، ولكن لم يُعْرف على وجه التحقيق كم من الزمن يكفى لتحويل العوارض التى تنشأ من البيئة والمعيشة إلى موروثات تستقر فى تكوين الناسلات وتنتقل من الآباء إلى الأبناء .

     وعن أثر البيئة والمعيشة ، فالمقطوع به أن وجوه الأمم التى قضت ألوف السنين فى الجلد والاعتزام ـ تخالف وجوه الأمم التى تيسرت لها سبل المعيشة طوال تلك السنين .

     والجنس الأسود الذى يعنى الأستاذ العقاد فى هذا الكتاب ، فهو من الأجناس التى يسهل تمييزها بالخصائص الموروثة وعادات المعيشة ، والاختلاف فى وصفه أقل من الاختلاف فى وصف غيره من الأجناس البشرية .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *