رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

حسن بن الصباح

 

     تخصيص فصل من الكتاب للحديث عن « حسن بن الصباح » الذى سلفت الإشارة إليه فى الفصل السابق ، إنما جاء بسبب دوره الملحوظ  منذ دخل فى زمرة الدعوة الفاطمية ، ويرى الأستاذ العقاد أنه من الشخصيات ذات الحضور التى لا تتصدى لدعوة إلاَّ أضافت إليها من عندها شيئًا ، وطبعتها بطبيعتها .

    واتفقت الأخبار الصادقة والكاذبة على صفة فى الرجل أثبتها الخبر الصحيح والخبر الكاذب على السواء ، « الجنون بالسيطرة والغلبة » .

    وكان الرجل داهية ولا شك ، ولكنه لم يكن من الدهاء بحيث يستر أغراضه ومطامعه حتى لا يثير المخاوف حوله ، أو لعلّ هيامه هذا بالسيطرة هو الذى غلب دهاءه إن كان عظيم الدهاء ، فانكشفت غايته على كره منه وحيل بينه وبين بلوغها .

    على أنه مما لا ريب فيه أيضًا ، أنه لم يكن من الغفلة بحيث يصدق كل خرافه من الخرافات التى كان يذيعها ويتولى نشرها والدعوة إليها ، كذا لم يكن من أصحاب السمو الفكرى بحيث يسلم من جميع الخرافات ويعرف ما وراءها من الحقائق .

*         *         *

    كان جنونه بالسيطرة غالبًا له ، وتدل حياته كلها على طبيعة لا تطيق العيش بغير سلطان أو بغير السعى إلى السلطان .

    ويجول الأستاذ العقاد بشىء غير قليل من الحوادث والروايات التى دلّت على أنه كاد يكون مغلوبًا على أمره ـ بحكم طبيعته ـ فى طلب السلطان .

    وقيل فى تعليل سفره إلى مصر للقاء الخليفة الفاطمى إنه استوعب كل ما تعلمه من الدعاة فاستصغره إلى جانب علمه بأسرار الدعوة ، فأراد المزيد من العلم بالشخوص إلى دار الحكمة فى القاهرة ، لعلّه يستوفى هنالك علوم الإسماعيليين التى غابت عن دعاة العراق .

    ومن الواضح أن الشخوص إلى عاصمة الخلافة الفاطمية هو المسعى الذى لا تنصرف عنه همة طامع فى مناصب الدولة ، فليس له مطمع فى بغداد وليس له بين السلجوقيين مقام محمود ، ولم يبق له إلاَّ أمل واحد لا منصرف عنه ، وهو بلوغ المنصب المرموق فى عاصمة الخلافة ومرجع الدعوة والدعاة .

    ولكنه لسوء حظه بلغ القاهرة وقد تحكم فيها رجل قوى الشكيمة كبير المطامع يتولى القيادة والوزارة ولا يقنع بهما دون الإمارة والملك لو تمهد إليها السبيل ، ذلك هو أمير الجيوش بدر الجمالى ومن ثم زَوَّجَ بنته للأمير المستعلى بن الخليفة ، وأكره الخليفة أو زين له أن يختار المستعلى لولاية عهده ، أملاً فى الملك إن استطاعه لنفسه ، أو فى توطيد الملك لذريته من بعده .

    ولكن حسن بن الصباح تحفز لمصاولة بدر الجمالى بعد وصوله للقاهرة ، فوضع عينه على « نزار » ورشحه لولاية العهد ليحول بين « المستعلى » وعرش الخلافة ، ولما أراد أن يثبت له ولاية العهد أقام لها أساٍسًا كالذى قامت عليه الدعوة الإسماعيلية من مبدئها ، ولكن ابن الصباح فقد طال عليه الانتظار وأحس الخطر من أمير الجيوش بدر الجمالى ، فنجا بحياته من مصر ، وراح بعد الإفلات من الخطر الذى كاد يطبق عليه ـ راح ينشئ له دعوة جديدة فى المذهب الإسماعيلى ، وهى الدعوة إلى « إمامة نزار » .     

*         *         *

    وراح الحسن بن الصباح يطوف بلدان الشام والعراق وفارس لينشر دعوته الجديدة ، مراعيًا أن يأمن الرصد والمطاردة ، ويبدو أن حوافز نفسه الغلابة دفعته فى تلك الفترة وقد نازعه الطمع ، فى أن يتحدث إلى أحد أصدقائه فى أصفهان بأن لو معه صديقان يركن إليهما لانتزع منه العرش من السلاجقة ، فظن صديقه به الجنون وصرف همه للتوصية له بأطايب الطعام ، فأدرك ابن الصباح أن صديقه قد خامره الشك فى عقله ، فتركه ومضى لسبيله .

    والظاهر من جولاته الساعية فى هذا الطواف ، أنه كان يبحث عن أستاذه القديم فى الدعوة الإسماعيلية « عبد الملك بن عطاش » ، وكان ابن عطاش قد ولاّه الوكالة عنه ثم زين له السفر إلى القاهرة ، وأطلعه قبل سفره على أسماء بعض الدعاة المستترين الذين يلقاهم فى طريقة ، ولكنه لم يطلعه على جميع الأسماء .

    ولم يكن ابن الصباح يرنو فقط إلى معرفة أسماء الباقين من هؤلاء الدعاة المستترين ، وإنما كان يريد أن يعرف من أستاذه  « ابن عطاش » مكامن الأموال المدخرة لبث الدعوة وكلمة السر التى تمكنه من أخذها من عند المؤتمنين عليها .. ولذلك ظل ابن الصباح يبحث عن ابن عطاش حتى ظفر بلقائه ووثق من اطمئنانه إليه ليصل إلى مرامه ، ولعله استطلعه ـ فيما يرجح الأستاذ العقاد ـ أسرار الودائع المخبوءة فأطلعه عليها .

    وواضح أن تجارب ابن الصباح فى رحلاته بين بلاد السلاجقة وخلفاء العباسيين وخلفاء الدولة الفاطمية قد أيأسته من الوثوب إلى السلطان عن طريق الولاية ، ولكنه لم ييأس من تحقيق هواه المستقر فى طبعه ، فاتجه إلى معقل فى أطراف الدولة لينفرد بحكمه دون أن تمتد إليه فيه يد ملك أو خليفة ، ولم يجد أصلح لمطلبه من بلاد الديلم ، فخرج إليها مع رهط من أصحابه وأتباعه حتى انتهى به المطاف إلى قلعة يقيم فيها زعيم من العلويين فاستضافه وتغاضى عنه وهو ينشر الدعوة لمذهبة ويجمع الأنصار حوله ، فلما أحكم أمره كما يقول الأستاذ العقاد نقلاً عن ابن الأثير ـ طرد صاحب القلعة واستولى عليها وعلى قلاع تجاورها ، وساعده على ذلك أنه خيّل لأهل الإقليم حسبة جعلوا يحسبونها بحساب الحروف والجمل وموافقتها للسنة الهجرية الموافقة 483هـ ، وأن مجموعة حروف الألف واللام والهاء والميم والواو والتاء تتألف منها كلمة « الهاموت » ، وأتم هذا الخيال أو الحيلة فى أذهانهم أن ابن الصباح فسرها لهم بمعنى النسر المعلم ، إيحاءً من الغيب بتعلم الدين من قمة النسر الشاهقة ، والدين فى مذهب الباطنية تعليم لا يستغنى عن الإمام المعلم فى كل زمان .

    أما القلعة ، وينطق اسمها « الاموت » أو « ألموت » بفتح الميم ، فقد تحدث المؤرخون والسياح بالأعاجيب عن أسرار تلك القلعة التى تروج الأحاديث عنها بين الناس الذين يحبون الاستماع إلى العجب والتحدث به .

    ومن هذه الأعاجيب أن الحسن بن الصباح عرف سر الحشيش عن أستاذه الطبيب ابن عطاش ، فسخره فى نشر دعوته ، وتوسل به لإقناع أتباعه برؤية الجنة عيانًا وهم تحت تأثير الحشيش الذى كان يديره عليهم ثم يدخلهم إلى صديقة عمرت بمجالس الطرب والغناء القيام ورقص الراقصات ، ويخرجون منها وهم فى غيبوبة الخدر ، ويوقع ابن الصباح فى روعهم حين يفيقون أنه نقلهم إلى جنة الفردوس ، وأنه قادر على مرجعهم إليها حين يشاء ، وأنهم إذا ماتوا فى طاعته سوف يذهبون بشهادة أعينهم إلى السماء .

    وقيل إن هذا « الإيمان العيانى » يفسر طاعة أتباعه فى كل ما يأمرهم به ، فكانوا ينفذون أوامره بالهجوم على الوزراء والأمراء الذين يريد التخلص منهم ، ويغتالونهم بين حاشيتهم وجنودهم .

    وقد شاعت فى الغرب كلمة « أساسين » assassin على هؤلاء القتلة ، وترجع إلى كلمة « الحشاشين » نسبة إلى الحشيش ، أو إلى كلمة « الحسنيين » نسبة إلى الحسن بن الصباح .

    وراج بين الناس أن الفتى من أتباع شيخ الجبل ـ كان يبلغ من طاعته لمولاه أن ينفذ
بلا تردد إشارة الشيخ بإلقاء نفسه من حالق ليلقى حتفه !               

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *