رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

صواب الشهداء

 

     بعد بيان بواعث الخروج ولزومه ومقتضياته حتى صار فرض كفاية وفرض عين , فإنه يجب فى حساب النتائج أن ينظر إلى الحركة باعتبارها قضية عامة تتجاوز الأفراد إلى الأعقاب والأجيال .

    ومن الخطأ البين أن ينظر إليها من زاوية العمل الفردى .

    فحركة الحسين لم تكن تتعلل الأسباب لمنفعة الحسين بأى ثمن ..

    وإنما كانت قضية عامة تطلب الخلافة الراشدة على شروطها التى يرتضيها المسلمون ..

*          *           *

     ومن هو الشهيد إنْ لم يكن هذا الرجل الذى يصاب ويعلم أنه يصاب لأن الواقع يخذله ويخذل الحق معه ؟

    ومن هو الشهيد إن لم يكن هذا الرجل الذى « يكلف الأيام » ضد طباعها , ويطلب الخير فى طبيعة الإنسان والخير عزيز لأن الدنيا قد صارت به شحيحة ؟

    فالحسين رضى الله عنه قد سعى إلى خلافة الراشدين حيث لا تتسنى هذه الخلافة , وإنما تتسنى الدولة الدنيوية التى يتكالب عليها أصحابها ومريدوهم ويتوسلون إليها بوسائلها .

    لقد نزل رسوله الأول « مسلم بن عقيل » بالكوفة وهو صفر اليدين من المال حتى احتاج أن يقترض سبعمائة درهم هى التى أوصى بردها قبل أن يقتلوه .

    وهو لو طلب المال بوسائله الدنيوية السياسية الشائعة لما استعصى عليه أن يأخذ منه ما يكفيه وزيادة , بعد أن تجمع حوله من أنصار الحسين ثلاثون ألفًا كما جاء فى بعض الروايات , ولكنه لم يفعل .

     وكان بوسعه أن يقبل البطش بعبيد الله بن زياد وقتله غيلة كما عُرِضَ عليه , ولكنه أبى كما مَرَّ بنا , لان مبادئ الإسلام والخلافة الراشدة لا تبيحه  فيما يراه .

    رأى مسلم حق الحسين فى الخلافة قائم على سنده الصحيح ـ هو إقبال الناس إليه طائعين ومبايعتهم إياه مختارين ..

    وقد لا نفهم الآن أن قيام الخلافة على هذا الاختيار عقيدة , ولكنها كانت كذلك فى فهم ووجدان الناس قريبى العهد بالنبوة وعهد الصديق والفاروق ..

    ربما لم يكن الصراع بين على ومعاوية على هذا الوضوح , ولكنه فى بيعة الحسين كان قد وضح وضوح الصبح لكل ذى عقل وعينين ..

 

الناس عبيد الدنيا

 

    لاشك أنه سؤال شجى ومحزن , كيف ينتصر يزيد بكل ما فيه من مثالب , ويوضع على مقعد الخلافة محل الصديق والفاروق وذى النورين والإمام , ويُقْتل سبط النبى عليه الصلاة والسلام وآل بيته , هذه القتلة البشعة , ولا يزال العالم قريب العهد بالنبوة وبخلافة الراشدين ؟!

    ربما جاء الجواب فى كلمةٍ معجونة بالشجن والغضب قالها الحسين . قال : « الناس عبيد الدنيا , والدنيا لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت به معائشهم , فإذا مُحصوا بالبلاء قل الديانون » .

    إن الطبائع الأرضية لا تضل عن طريق المنفعة , وتعرف سبله , ولا تعرف لنفسها غير هذا الطريق , وتؤثر القنديل الخافت ـ ناهيك بالظلام ـ على الكوكب اللامع فى السماء . لا لأنها لا ترى الكوكب اللامع فى السماء , بل لأنها تؤثر القريب الخافت وتنأى عن الكوكب لأنه فى نظرها جد بعيد .

    ولكن طبيعة الشهداء غير طبيعة المساومة على البيع والشراء ..

    طبيعة المساومة موكلة بالحرص على الصغائر ..

    وطبيعة الشهادة موكلة ببذل الحياة لما هو أبقى وأدوم من الحياة ..

    شتان بين الطبيعتين , وشتان بين الأسلوبين ..

    وليست موازين المساومة بالموازين التى يصلح عليها أمر بنى الإنسان ..

    وإنما تستقيم الموازين , ولو على المدى البعيد , بطبيعة الشهادة وبذلها من أجل القيم العليا ..

   من هؤلاء كان الحسين رضى الله عنه , بل هو أبو الشهداء وينبوع شهادة متعاقبة لا يقرن بها ينبوع آخر فى تاريخ البشر أجمعين .

 

كربلاء

الحرم المقدس

 

   عرفت كربلاء قديمًا باسم « كور بابل » , ثم صحفت إلى كربلاء , فجعلها هذا التصحيف عرضة لتصحيف آخر يجمع بين الكرب والبلاء .

   ولم يكن لها ما تذكر به , لا من موقعها ولا من تربتها ولا من حوادثها , ولا كان بها ما يغرى أحدًا برؤيتها ..

    وإذا بمصادفةٍ أن يساق إليها ركب الحسين بعد أن ضيق عليه وحيل بينه وبين أى وجهة أخرى , فدخلت التاريخ من أوسع باب , وصارت حرمًا يزوره المسلمون القادمون من كل مكان للعبرة والذكرى , ويزوره غير المسلمين للنظر والمشاهدة , ولو أعطيت حقها من التنويه والتخليد , لَحَقَّ لها أن تصبح مزارًا لكل آدمى يعرف لبنى نوعه نصيبًا من القداسة وحظًّا من الفضيلة ..

    فما من بقعة يقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب أسمى وألزم لنوع الإنسان من تلك التى اقترنت باسم كربلاء , بعد مصرع الحسين فيها ..

    وليس فى نوع الإنسان صفات علوية أنبل وألزم له من الإيمان والفداء والإيثار ويقظة الضمير وتعظيم الحق ورعاية الواجب والجلد فى المحنة والأنفة من الضيم والشجاعة فى وجه الموت المحتوم ـ من التى تجلت من الحسين فيها حتى لقى مصرعه عليه رضوان الله .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *