رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

الحـلم

 

     اشتهر معاوية بعد الدهاء بالحلم ، فيورد الأستاذ العقاد أن مؤرخيه من مادحيه أجمعوا على وصفه بهاتين الصفتين . ومما وصفه به « قبيصة بن جابر » : « صَحِبْتُ معاوية فما رأيت رجلاً أثقل حلمًا ولا أبطأ جهلاً ولا أبعد أناةً منه » .

     ولم يفخر معاوية بصفة كما كان يفخر بحلمه فيما أورد الأستاذ العقاد ، بعكس الدهاء فلم يفخر به علانيةً ، ولا غرابة فى ذلك ، فمن يعلن دهاءه يكون كالصياد الذى يكشف شباكه للقنيصة .

     وقد كان من وجوه جهر معاوية بالحلم ، أنه كان حريصًا على التحبب إلى الناس ، مدركًا أنه إذْ انتزع سلطانًا فإن الناس لا ينطوون على الحب لم ينتزع سلطانًا ناهيك بأن يكون انتزاعه اصطناعًا وافتئاتًا ، فإن لم يكن هذا الموقف عن نخوة وأنفة ، فحسدًا وغيرةً ، أو إعراضًا عن الغاصب إلى من هو أولى بالسلطان منه .

      وفيما عدا واقعة قتل حجر بن عدى وأصحابه صبرًا ، على غير جريرة ، وهى واقعة تردى فيها معاوية فى خطأ جسيم أقر لاحقًا به ، فإن الغنى عن البيان أن الصفح عن المسىء مع القدرة على البطش به ، من أقرب الوسائل إلى كسب ولائه وولاء غيره . لذلك لم يكن معاوية ولا شيعته يقصرون فى إذاعة كل خبر فيه مأثرة من مآثر العفو والأناة والبر بكل مسىء .

      وكان معاوية يتفاخر بذلك فيقول : « إنى لأرفع نفسى أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوى ، وجهل أكبر من حلمى ، وعورة لا أواريها بسترى ، وإساءة أكثر من إحسانى » .

     وكان يقول فى مجالسه : « لو أن بينى وبين العرب شعرة ما انقطعت . إذا شدوها أرخيتها ، وإذا أرخوها شددتها » .

     وحد الحلم عنده ألاَّ يكون فى التطاول أو الخطأ مساس بملكه وسلطانه .. وقد سئل عن رجل أغلظ له فى القول : أتحلم عن هذا ؟! فقال : « إنى لا أحُول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا » .

     ومن وجوه الحلم عند معاوية ، أنه كان « دعاية سياسية » فى خصومته مع على بن أبى طالب الذى اشتهر وتسامع الناس ـ حتى شانئيه ـ بما له من فضائل الشجاعة والفداء والأمانة والتقوى ، فلم يجد معاوية ما يقابل به ذلك إلاَّ بذكر « الحلم » الذى كان من أعز صفات الرئاسة عند الأمة العربية .

      لم يكن أحدٌ ينكر على علىٍّ شجاعته وفداءه وتقواه وسابقته فى الإسلام وقرابته من رسول الله ، فلاذ معاوية بسجية الحلم بدعوى أنه صاحب رأى وحلم وحزم .

     وقد أمسك معاوية ـ حتى لا يفقد حجته ! ـ عن أى لجاجة فى صفات الإمام علىّ وأمر ما عرف عنه من التقوى والصلاح ، حتى إنه كان يقول لدى المفاضلة بينه وبين علىًّ وابنه الحسن : « إنْ لم أكن خيركم فأنا خيركم لدنياكم » .

     فالحلم عند معاوية وسيلة من وسائل التحبب إلى الناس ، والدعاية السياسية التى يعزز بها حجته ولا يستطيع أن يفخر بصفة أخرى غيرها !

     وكان رجل فى حنكة عبد الملك بن مروان يعتبر حلم معاوية من المداهنة ، فقال فى بعض خطبه : « ما أنا بالخليفة المستضعف ( يعنى عثمان ) ، وما أنا بالخليفة المداهن
( يعنى معاوية ) ، وما أنا بالخليفة المأفون ( يعنى يزيد بن معاوية ) » .

                                 *         *         *  

     والملحوظ أن المفاخرة بالحلم لم تجر ـ حين استوت الدولة الأموية ـ لم تجر على لسان « المروانيين » الفرع الذى ينتمى فى بنى أميه إلى « أبى العاص » ، فقد استغنوا بقوة الدولة عن غيرها فى مقابل فضائل الإمام علىّ .

     أما معاوية الذى كان يوصى الأمويين بالحلم ،فإنه لم يجد ما يقوله بعد مقتل « حجر بن عدىّ » ، وأصحابه صبرًا ، سوى أن يقول لسائليه أو عاتبيه أو المقارنين بين غضبته هذه وبين حلم أبيه أبى سفيان :« غاب عنى حلماء قومى وحملنى ابن سمية ( زياد ) فاحتملت » ، وقال للسيدة عائشة حين سألته : « لم يكن معى رشيد ! » .

     وقد كان الحلم قديمًا فى فرع البيت الأموى الذى ينتمى إليه معاوية ، فسبقه إليه حرب بن أمية الذى أصلح بين قريش وهوازن فى حرب الفجار الثانية ، وأبوه أبو سفيان الذى كان يتأنى ولا يتهجم فى خصوماته فى الجاهلية والإسلام ، إلاَّ أن فرع « المراونيين » : الفرع الآخر فى بنى أمية ، قد سكتوا عن التفاخر بالحلم أو التساند إليه ، حيث وجدوا فى قوة الدولة التى آلت إليهم ما يغنيهم عن ذلك ، بل كان منهم من يفخر « بالفتك » ويسرع إلى الغضب ويُرهب المخالفين بذلك .

                                 *         *         *  

     على أن الوقائع المتكررة التى رويت عن حلم معاوية ، ليست كلها صالحة للاستدلال بها على الحلم .

     فمن الوقائع التى تعرض فيها للإساءة وقابلها بالحلم ، وقائع كان هو المستدعى لها ولو فى مجال التبسط والمزاح .

    ويذكر الأستاذ العقاد مثالاً لذلك ما كان قد اصطنعه معاوية مع « جارية بن قدامة السندى » الذى بادره معاوية بالتقريع على سعيه مع الإمام علىّ ، فجاءه الرد صافعًا حتى اضطر معاوية فى نهاية المقارعة أن يقول لجاريه : « لا أكثر الله فى الناس من أمثالك » .

     وأشبه بهذا الاستدعاء أو الاستثارة ـ حواره مع « الزرقاء بنت عدى » خطيبة صفين ، التى استدعاها وألح فى استدعائها حتى أتت ، فلما دخلت عليه فى مجلسه هش لها ورحب بها ثم سألها : « أتدرين فيما بعثت إليك ؟ » .

      قالت : وأنَّى لى بعلم ما لم أعلم .. لا يعلم الغيب إلاَّ الله ..

     فسكت هنيهة ثم قال : ألست أنت الراكبة الجمل الأحمر فى صفين تحضين الناس بين الصفين على القتال ؟

    قالت : نعم !..

    قال : فما حملك على ذلك ؟

    قالت : يا أمير المؤمنين . مات الرأس وبتر الذنب ولن يعود ما ذهب والدهر ذو غير ، ومن تفكر أبصر ، والأمر يحدث بعده الأمر .

    قال : صدقت . أتحفظين كلامك يومئذ ؟

    قالت : لا والله : أنسيته .

     قال لكنى أحفظه ، ولله أبوك حين تقولين : « أيها الناس ! ارعووا وارجعوا . إنكم أصبحتم فى قنة ، غشيتكم جلابيب الظلم ، وجارت بكم عن قصد المحجة ، فيا لها فتنة عمياء ، صماء ، بكماء ، لا تسمع لناعقها ، ولا تسلس لقائدها ، إن المصباح لا يضئ فى الشمس والكواكب لا تنير مع القمر ، ولا يقطع الحديد إلاَّ الحديد » .

     واسترسل فى قول الرواة يعيد عليها كلامها إلى أن قال :

     والله يا زرقاء .. لقد شركت عليا فى كل دم سفكه

     قالت : أحسن الله بشارتك وأدام سلامتك ، فمثلك بشر بخير وسر جليسه ..

     قال : أو يسرك ذلك ؟

    قالت : نعم

    قال معاوية : والله لوفاؤكم بعد موته أعجب إلىَّ من حبكم فى حياته .

     اذكرى حاجتك ..

    قالت : يا أمير المؤمنين آليت على نفسى لا أسألن أميرًا أعنت عليه أبدأ .

    ولكنه على هذا أجزل لها العطاء وأرضاها .

     وشبيه بذلك ما افتعله مع « بكارة الهلالية » حين جاءته بالمدينة وقد أسنت وغشى بصرها ، حتى جبهته فى النهاية بقولها تعقيبًا على ما ردده من أشعارها عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص . قالت لمعاوية : « نبحتنى كلابك يا أمير المؤمنين . وأنا والله قائلة ما قالوا ، ولا أدفع ذلك بتكذيب ، وما خفى عليك منى أكثر ، فامض لشأنك ، فلا خير فى العيش بعد أمير المؤمنين .. تعنى الإمام علىّ » .

    فضحك معاوية وقال : ليس يمنعنا ذلك من برك . اذكرى حاجتك ، قالت : أما الآن
فلا ..

     ويقول الرواة إنه ـ رغم رفضها ـ قضى حوائجها وردها إلى بلدها ..

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *