رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

      وصل جيش المسلمين إلى جوار « منف » عاصمة مصر القديمة , فى شتاء سنة 640 م  / 19 هـ , وعرض على الوالى شروطه المعروفة فى كل قتال , وعمد إلى التأثير الأدبى فى إقناع الحامية ومن يلوذ بها , كما عمد أيضًا إلى الخدعة والبسالة , وكان من حسن الفطنة استبقاء من عساه يأتيهم رسولاً من قبل الروم أيامًا , ليروا بأعينهم ما عليه المسلمون من هداية , ومن استخفاف بالموت فى سبيل ما آمنوا به .

    إلاَّ أن أدوات الحصار المتاحة لعمرو , لم تكن من الكفاية لتعينه على الاقتحام السريع للحصون المنيعة , فطال لبثه أمام حصن « بابليون » قياسًا على حصار « الفرما » و« بلبيس » , ولأنه لم يكن ميسورًا له قضاء كل الوقت إلى جانب الحصن , أو إنفاذ السرايا إلى مصر السفلى نحو الإسكندرية , بسبب فيضان النهر وجداوله الكثيرة , لذلك فإنه قد حول سراياه إلى الصعيد وأطراف الفيوم , ويبدو أن هدفه فى هذا لم يكن الفتح , وإنما أن يشغل جنده مخافةً عليهم من فساد طول الراحة والانتظار , وربما كان من أهدافه أن يحيط بمشاعر المصريين ومدى إمكانية التعويل عليهم معه .

    وقد خيّل إلى قائد الروم فى تلك الفترة , أنه قادر على مباغتة المسلمين , فتأهب للهجوم على قاعدتهم الكبرى فى « عين شمس » فى المعركة التى سلفت الإشارة إليها بيد أن الدائرة دارت على الروم , وانتصر المسلمون انتصارًا تجلت فيه يقظة عمرو بن العاص ومهارته فى القيادة .

    ومضت السنة وشهور من السنة التالية , والمناوشات جارية على حصن بابليون الذى صمد , فى الوقت الذى استطاع فيه عمرو ـ وقد هبط ارتفاع منسوب النيل ـ أن يرسل سرايا إلى مصر السفلى لإعاقة الروم قبل تقدمهم إليه .

    وظل الفاروق فى المدينة يرقب الأخبار بعين لا تغفل , ولم يزل يمدهم ويسأل عن أخبارهم ويتفقدهم , ولا يرى شيئًا أمامه أنفع من الإيمان وقوة الروح , قبل كل عدة أو سلاح . وكتب إلى المسلمين يقول : « عجبت لإبطائكم … وما ذاك إلاَّ لما أحدثتم وأصبتم من الدنيا ، وإن الله تعالى لا ينصر قومًا إلاَّ بصدق نياتهم » .

    وحدث فى أثناء ذلك أن مات العاهل هرقل ، وشاعت الدسائس فى بلاطة من بعده ، وفشا المرض فى حامية الحصن ، ومن ثم غلبة رغبة الصلح الذى كان يأباه هرقل ، إزاء ما أظهر المسلمون من بطولات ، ضرب فيها المثل بالزبير بن العوام الذى جاء ببعض الروايات أنه تسور الحصن يتبعه جماعة من المستشهدين ، فأوقع الرعب فى حامية الروم ، فأسرع أنصار الصلح إلى قبوله بعد ممانعة قليلة من المعارضين ، وكان ذلك يوم الجمعة السابق ليوم القيامة سنة 641م / 21 هـ .

    وبادر عمرو بعد الصلح على حصن بابليون ، إلى إقامة المعابر على النيل لعبوره قبل فيضانه ، ثم مضى فى طريقة إلى الإسكندرية يقاتل من يلقاه من فلول الروم أو جموعهم المتربصة فى حصون المدن الكبيرة ، ثم ضرب الحصار على مدينة الإسكندرية ، حتى تم التسليم والصلح فى أول المحرم سنة 21هـ / 10 ديسمبر 641م .

    وكان هذا الصلح ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ على هوى « المقوقس » ، ولم يكن على هوى كثيرين من غلاة الجند وأصحاب الأموال فى العاصمة التجارية الكبرى ، فثاروا بالمقوقس ، وأحاطوا بقصره متوعدين منذرين ، فخرج لهم باكيًا يعتذر لهم بمشيئة الله من أزل الآزال ، وبأنه لا راد لقضاء الله ، فاستمعوا إلى الرجل الذى يكلمهم بلسان الدين ولسان الدنيا ، وشاركوه فى البكاء !

فى إدارة مصر

 

    تقدمت الإشارة إلى بسالة عمرو فى حصار الإسكندرية ومجازفته بنفسه فى اقتحام حصونها مع طلائع المقتحمين، وأنباء تلك البسالة شاهد بخلق قد شهدت به معارك كثيرة ومآزق شتى ، وقد يكون فى بعضه مبالغة الخيال فى تكبير الواقع ، وليس هذا مما ينقض من خلق عمرو المتفق عليه .

    على أن العظمة التى ثبتت لعمرو بن العاص بعد فتح مصر لا تقل عن عظمة الفاتح الجرئ ، ولا عظمة القائد الضليع بفنون الخدعة والإقدام .

    فقد عرف مصر وهو مقبل على حكمها ، كما عرفها وهو مقبل على فتحها ، فإذا هو صالح للعمار والقرار صلاحه للهجوم والحصار .

     انتهى دور الفاتح بتسليم الإسكندرية ، وبدأ دور الحاكم الذى يسوس رعاياه .

     وتجلت هذه الحكمة فى سياسة ومعاملة الرعية ، وفى استقدام « البطرق » الذى كان مبعدًا عن مكان الرئاسة الدينية لمخالفته مبدأ الكنيسة الملكية ( الرومانية ) ، فاحتفى به عمرو ورده إلى مكانته .                

    وأقبل عمرو على سياسة البلاد وتدبير مصالحها , وتوفير خيراتها , وعلم أن الرخص والغلاء مرهونان بفيضان النيل , وأن سياسة مصر هى سياسة النهر فى ارتفاعه وهبوطه , فكتب إلى الخليفة أن أهل مصر يجهدهم الغلاء إذا وقف النيل عند حد « مقياس » لهم , فضلاً عن انخفاضه , وشرح له علل الغلاء فقال : « إن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار ، ويدعو الاحتكار إلى تصاعد الأسعار بغير قحط » ثم أتبع ذلك فقال : « إنى وجدت ما تروى به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعًا ، والحد الذى تروى منه سائرها حتى يفضل منه عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعًا ، والنهايتان المخوفتان فى الزيادة والنقصان وهما الظمأ والاستبحار : إثنى عشر ذراعًا فى النقصان وثمانية عشر ذراعًا فى الزيادة » .

    وقام بأمر الخليفة على بناء المقاييس ، فبنى مقياس حلوان ، ومقياس أسوان ، وأشرف على صيانة الجداول والجسور ، وكان سكان البلاد يعتمدون على وسائل خرافية لاستدرار ماء الفيضان ، منها إلقاء قربان فى النيل يقال فى بعض الروايات الضعيفة إنه عذراء بقيد الحياة ، ويقال على الأرجح إنه دمية من الطين على هيئة فتاة تمثل الأرض الزراعية التى
« يتزوج » بها النيل أو يثمر منها ثمراته . فكتب عمرو إلى الخليفة فى ذلك ، فجاءه منه الأمر بإبطاله بعد أن فكر هو فى مثل ذلك ، فأبطل هذه العادة الخرافية ، واعتمد على الوسائل المعقولة من تنظيم الماء ومناوبة الرى ، حسبما تهيأت له الأسباب العلمية فى ذلك الزمان .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *