رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

عمرو والفاروق

     كان الفاروق عمر , على ثقة بإقتدار عمرو , وهو الذى قال فيه : « لا ينبغى أن يمشى أبو عبد الله على الأرض إلاَّ أميرًا » . وقال مرة تعقيبًا على لجلجة رجل فى كلامه : « خالق هذا وخالق عمرو واحد » !! , وقال لإخوانه تعقيبًا على انتصاراته فى فلسطين : « رمينا أرطبون الروم ( يعنى أريطيون ) بأرطبون العرب » .

    ومازالت ثقة الفاروق فى عمرو تتوطد وتعظم , حتى اتجه عمرو بعزمه إلى حصار
« إيلياء » أو بيت المقدس , وتشديد الحصار عليها , حتى يئس « أريطيون » من المقاومة وفر إلى الديار المصرية , و قيل إن « بطريق» المدينة لم يؤجل تسليمها إلى القائد العربى إلاَّ لأنه أراد أن يكون التسليم بمحضر الخليفة الذى سمع عنه ما يرضيه , فكتب عمرو إلى الفاروق ليستدعيه ويُعْلمه برغبة البطريق , وتم الصلح فى سنة 15
هـ بحضور الفاروق , وكان من شهود الصلح من قادة المسلمين : خالد بن الوليد , وعمرو بن العاص , وعبد الرحمن بن عوف , ومعاوية بن أبى سفيان . ( كتابنا عن أبى عبيدة  ـ دار المعارف 2013 ص 221 ) .

 

التطلع إلى الديار المصرية

 

    ما إن سكنت الشام , وزال الطاعون الذى امتحنت به سنتى 17 , 18 هـ , حتى تطلعت نفس عمرو إلى فتح الديار المصرية التى يعلم المسلمون من القرآن أنها كرسى فرعون ذى الأوتاد , وأنها قد صارت درة التاج فى دولة هرقل , وأن الروم لا يدعونها ولو غُلبوا
عليها , وقد ظهر ذلك حين عادوا فانتزعوها من الفرس بعد أن كانوا قد غلبوهم عليها , ومكثوا فيها إثنتى عشرة سنة , وفاقًا لوعد القرآن أن الروم من بعد غلبهم سيغلبون .

    وقد طال الحوار بين عمرو وبين الفاروق أمير المؤمنين على ما يتطلع إليه من الاتجاه إلى مصر , وربما عزز رأى عمرو فى إيضاح خطر بقاء مصر مع الروم , أن « أريطيون » فر إليها ليجمع فيها قوة الدولة الرومانية ويكرّ بها على الشام , ومن ثم وجب إيصاد هذا الباب , فاستجاب الفاروق على تردد بين الأقدام والأحجام , فأذن لعمرو بالمسير إلى مصر , ولكنه عاد فأرسل إليه كتابًا وهو فى الطريق , قال فيه الفاروق :« سيأتيك كتابى سريعًا إن شاء الله تعالى ، فإن أدركك كتابى آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئًا من أرضها ، فانصرف .. وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابى ، فأمض لوجهك وأستعن بالله واستنصره » .

     وقد قيل إن كتاب الفاروق أدرك عمرًا فى رفح ، فأغضى عن الرسول حتى بلغ إلى مكان من مصر غير مختلف فيه . فقرأ الكتاب وقال لجنده : لم يلحقنى كتاب أمير المؤمنين حتى دخلنا أرض مصر .. فسيروا وامضوا على بركة الله وعونه .

     وكذلك التقى التدبير والمصادفة مرة أخرى فى الصفحة الأولى من هذا التاريخ الكبير .

 

فتح مصر

 

    يرى الأستاذ العقاد أن الصدام بين المسلمين والدولة الرومانية , كان قضاءً موعودًا منذ بدء الدعوة الإسلامية , وكان لا مناص فى هذا الصدام من فتح مصر : فتح رضوان أو فتح تسليم .

    ولمح النبى عليه السلام ذلك بلحظ الغيب قبل أن يحين أجله المقدور ببضع عشرة سنة , وقد عرفنا من السيرة النبوية أنه عليه السلام كتب إلى « المقوقس » عظيم القبط فى مصر , يدعوه إلى الدين الجديد دعوة أهل الكتاب :

      « أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين . فإن توليت فعليك إثم القبط : يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ، ألا نعبد إلاَّ الله ، ولا نشرك به شيئًا ، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله ، فإن تولوا فقولوا إشهدوا بأنا مسلمون » .

     وقد تلقى جواب المقوقس فيه أمل ، وغير قاطع بالرفض ، يقول مما قاله فيه :

     « … فهمت ما تدعو إليه ، وقد علمت أن نبيًا بقى وقد كنت أظن أنه يخرج
بالشام » … ثم يقول :

     « وقد أكرمت رسلك ، وبعثت إليك بجاريتين لهما مقام فى القبط عظيم ، وبكسوة ، وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام » .

     وتعلقت الحوادث بأجلها الموعود ، وقال النبى لأصحابه الأقربين :  

     « ستفتحون مصر ، وهى أرض يسمى فيها القيراط ، فاستوصوا بأهلها خيرًا ، فإن لهم ذمة ورحِمًا » ، ثم قال لصحابته :

     « إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جندًا كثيفًا ، فذلك الجند خير أجناد
الأرض » .. وأضاف ردًا على سؤال أبى بكر رضى الله عنه : « لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة » .

*              *            *

    وعلى ذلك فلم يكن عمرو هو الذى اخترع عزيمة الإقدام على فتح مصر , فقد كان هذا نبأ الواقع المقدور من سنين .

    وربما أحس عمرو بهذا الواقع , ولكنه لم يخترعه , وإنْ ملأه باليقين فى أن يتم هذا الفتح , وبالأمل فى أن يكون ذلك على يديه .

    وربما كان على يقين ، من واقع ما خبره من أحوال الفرس والروم ، وما عرفه عن حال اليهود فى وادى الأردن ، أن الكل حانق مغيظ مما أصاب الشاميين والمصريين من الذبح والنهب والتشريد على يد الروم ، وربما كان حريَّا بعمرو أن يعلمه لو اطلع على ما خفى عنه فى البداية ، أن أهل مصر سيرحبون به وإنْ لم يرحبوا بالفرس ، لأن الفرس قتلوا الرهبان والقسس وهم فى طريقهم إلى مصر ، على عكس ما كان معروفًا عن المسلمين من احترام الرهبان والقساوسة ، والعابدين فى معابدهم وصوامعهم .

    وفى ذات الوقت ، كان الروم قد فقدوا عزيمة القتال ، بل فقدوا الإيمان بحقهم فى النصر ، وكان الغالب عليهم فى معارك الشام أنهم استحقوا غضب الله ، وصاح بهم بهذا النذير صائحٌ منهم فى مؤتمر انطاكية الذى اجتمع فيه كبارهم وأحبارهم ، وقال لهم فيه هرقل إن الروم ليلقون من الله جزاء العصاة ! وربما كان هرقل نفسه يشعر بهذا الشعور ، لأنه كان فى شيخوخته دائم الندم ، معذبًا بوسواس الخطيئة ، لبنائه ببنت أخته « مرتينة » بعد علاقة بينهما ، وهو إثم محرم فى دينه .

    ويُغَلّب الأستاذ العقاد ، أن « عمرًا » لم يغفل عن استطلاع البلاد المصرية ، فعلم أن الحصون مهملة ، وأن الدساكر معطلة ، وأن الجنود المفرقين هنا وهناك يدفعون عن معاقلهم فى وهن ويأس من المصير ، ويعيشون بين شعب يبغضهم ويتمنى لهم الهلاك والضياع ، ويجهر بعدائهم ومشايعة أعدائهم ، إذا أمن عاقبة الجهر بالعداء ، ورجح عنده الأمل فى غلبة المغير عليهم !

    ولم يكن أولى بالأمل فى الغلبة على الروم من العرب الذين صدوا الأكاسرة والقياصرة ، واقتحموا عليهم عقر دارهم ، فإذا أصبح لهؤلاء العرب مقام محمى فى تخوم مصر ،
وعلى مداخلها ، فلن يشق عليهم أن ينتزعوا مصر من هرقل وليس له فيها غير ظل بعيد .      

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *