رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

بداية الفتوح بالشام

 

       أشرف خالد بن الوليد بمن معه على الشام , وقد سبقه نبأ حضوره , وسبقه صيته وهيبته , وعرف الجميع بنبأ مقدمه عن أبى عبيدة بن الجراح الذى نقل ما أتاه من الخليفة أبى بكر , وأعلن ترحيبه بمقدم خالد وبإمارته بدلاً منه , وهو ما جاء صريحًا فى كتاب الصديق أنه ولَّى خالدًا قتال العدو فى الشام ، وبأن يسمع له ويطيع .

       هذا الكلام الصريح لا يحتمل تأويلاً , وقد ورد نص كتاب الصديق ـ الذى مر بنا ـ إلى أبى عبيدة فى أكثر من مصدر من المصادر المتقدمة , وورد معه أيضًا نص خطاب اعتذار خالد لأبى عبيدة عن تأميره وقوله فيه إنه ما طلب ذلك قط ولا أراده إذا ولاه الخليفة إياه . وهو ما يلتئم أيضًا مع ما ذكره الواقدى فى فتوح الشام , وأسلفناه , من أن تعليمات الصديق لأمراء الأجناد أنهم إذا اجتمعوا فأميرهم أبو عبيدة .

       والذى لا مراء فيه أيضًا , أن خالدًا خرج من العراق إلى الشام , ووجهته اليرموك حيث انعقدت الحشود الرومانية , وتشاور الأمراء الأربعة , واستقروا بمشورة عمرو بن العاص وبأمر الخليفة ـ على أن يجتمعوا لمواجهتهم فى اليرموك , لأن مثلهم لن يغلب من قلة . ودل على ذلك أيضًا كتاب الصديق إلى خالد بتكليفه بالمهمة , وقد ورد نصه فى أكثر من مصدر من المصادر المتقدمة , وكان الخليفة قد كتبه إليه بعد عتابٍ سبق على تركه العراق ومقدمه لأداء فريضة الحج بالحجاز فى أواخر عام 12هـ , دون أن يَعلم أحدٌ من الأعداء ولا من المسلمين إلاَّ أقرب خاصته المقربين , بل ودون أن يعلم الخليفة ذاته وقد كان على الحج فى ذلك العام .

        ففى خطاب التكليف بإمارة أجناد الشام , عاود الخليفة عتابه لخالد على هذه الواقعة , وفى هذا الخطاب أمر واضح صريح بأن بداية المهمة اللحاق بجموع المسلمين المحتشدة فى اليرموك . ففى هذا الكتاب يقول الصديق لخالد : « سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك فإنهم قد شجوا وأشجوا . وإياك أن تعود لمثل ما فعلت ( واقعة الحج ) , فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجيك , ولن ينزع الشجى من الناس شجيك . فليهنك أبا سليمان النية والحظوة . ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل , وإياك أن تدل بعمل فإن الله له المنّ وهو ولى الجزاء » .

     فالذى لا شك فيه أن خالد كلف بإمارة الجيوش فى الشام بدلاً من أبى عبيدة الذى كانت أوامر الخليفة إلى أمراء الأجناد واضحة صريحة فى أنهم إذا اجتمعوا فأميرهم أبو عبيدة .

      ولكن , هل كان وصول خالد إلى الشام على اليرموك مباشرة , وهل بدأت مهمته فى الشام بمعركة اليرموك ؟

      من الصعب جدًا , إن لم يكن من المتعذر جدًا كما قال الأستاذ عباس العقاد هنا فى « عبقرية خالد » ـ تمحيص التواريخ فى ترتيب الوقائع بعد وصول خالد إلى الشام , فمن يراجع المصادر المتقدمة يجد اضطرابًا شديدًا فى ترتيب الوقائع وفى تاريخها الذى قد يتأرجح بين سنوات , والمشهور أن معركة اليرموك كانت المعركة الأولى لخالد بالشام , ولكننا ننحاز إلى رأى العقاد , وقد انحازت لذلك سلفًا بعض المصادر التاريخية المتقدمة , بأن المعركة الأولى لخالد مع الروم بالشام , كانت فى طريقه إلى اليرموك , وتحديدًا عند موضع « أجنادين » ـ فيما وصفه بعض المتقدمين بأنها معركة « أجنادين الأولى » , وهى غير معركة « أجنادين الثانية » التى دارت سنة 15هـ بفارق نحو سنتين عن أجنادين الأولى .

 

      ويرجح رأى بعض المتقدمين , ورأى الأستاذ العقاد , أن البدء بأصغر قوتى الروم وإخلاء الجنوب أو تأمينه ـ أولى وأوفق من البدء باليرموك وترك هذه القوة وراء ظهور المسلمين . يعزز ذلك أولًا أن خالد  قمع فى طريقه كما قالت المصادر كل مقاومة قابلته ، واشتبك بالفعل فى طريقه من العراق إلى الشام , بعدة معارك ذكرها الرواة اضطر فيها خالد
للقتال , فقاتل وانتصر . وقد أورد النويرى فى « نهاية الأرب » , أن خالد بن الوليد مَرَّ فى طريقه على بُصْرى
ـ وهى على الجنوب بين اليرموك وبيت جِبْرين من أرض فلسطين ـ وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وزيد بن أبى سفيان , ولعل الصحيح أو الأصح أن الذى كان ببصرى هو شرحبيل بن حسنة فقط , فقد ذكر الواقدى فى فتوح الشام  أن أبا عبيدة بن الجراح : « كان قد وجه شرحبيل بن حسنة كاتب وحى رسول الله r إلى بُصْرى فى أربعة آلاف فارس . قال فسار على فنائها , وكان على بُصْرى « بطريق » عظيم الشأن والقدر عند الملك وعند الروم اسمه « روماس » , وروى الواقدى ما دار بينه وبين شرحبيل ابن حسنة من حوار طويل , انتهى باشتباك الطرفين , وكان تعداد الروم إثنى عشر ألف فارس , وتفوق عدتهم وعتادهم المسلمين , فدارت الدائرة لصالح الروم , حتى قال الراوى : « فرأيت شرحبيل بن حسنة قد رفع يده إلى السماء وهو يقول : « يا حى يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام , اللهم انصرنا على القوم الكافرين » ـ وأضاف الراوى : « فوالله ما أتم شرحبيل كلامه ودعاءه حتى جاء النصر من عند الله العزيز الحكيم , وذلك أن القوم داروا بنا فرأينا غبرة قد أشرفت علينا من صوب حوران . فلما قربت رأينا تحتها سوابق الخيل , فلاحت لنا الأعلام الإسلامية والرايات المحمدية , وقد سبق إلينا فارسان : أحدهما ينادى ويزعق : يا شرحبيل يا ابن حسنة أبشر بالنصر لدين الله , أنا الفارس الصنديد , أنا خالد بن الوليد , والآخر يزعق ويقول : أنا عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق , وأشرفت راية العقاب يحملها رافع بن عميرة الطائى . قال : « والله لقد خمدت أصوات الروم من زعقة خالد رضى الله عنه » , وأقبل المسلمون يسلم بعضهم على بعض , وأقبل شرحبيل بن حسنة إلى خالد بن الوليد , وسلم عليه . فقال خالد يا شرحبيل , أما علمت أن هذه مينا ( ميناء ) الشام والعراق , وفيها عساكر الروم وبطارقتهم , فكيف غررت بنفسك وبمن معك من المسلمين ؟ قال : كله بأمر أبى عبيدة . فقال خالد : أما أبو عبيدة فإنه رجل خالص النية , وليس عنده غائلة الحرب ولا يعلم بمواقعها » , وانتهت صلحًا المعركة التى أورد الواقدى تفاصيلها , وحسبنا ذلك للتأكيد على أن هذه المعركة دارت بالجنوب , وخالد فى طريقه شمالًا إلى اليرموك , وأنها كانت عند موضع « أجنادين » .

 

يؤكد ذلك أن ابن الأثير وإن أورد فى الكامل معركة أجنادين الأولى بعد إيراده واقعة اليرموك , إلاَّ أنه أورد أنها وقعت ـ وهو الصحيح ـ لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة 13هـ وهو ما ذكره أيضا الطبرى فى تاريخه . ومن المعروف أن الصديق توفى يقينًا فى جمادى الآخرة , وفى العشرة أيام الأخيرة منه فى أرجح الروايات , وحمل البريد خبر وفاته وولاية عمر ـ حملها إلى اليرموك حال الاشتباكات بها مع الروم , فإذا أحصينا مسافة وصول البريد من المدينة , صار المقطوع به أنه وصل اليرموك بعد شهر على الأقل من وفاة أبى بكر الذى دارت فى حياته معركة بُصرى أو « أجنادين الأولى » .

الأمر الذى يقطع بأن معركة اليرموك كانت تالية لها ولم تكن أولى المعارك التى خاضها خالد فى الشام .

     لذلك كان النويرى على صواب فيما ذكره « بنهاية الأرب » ، وكذلك ابن كثير فى البداية والنهاية ـ من أن معركة « أُجنادين الأولى » سبقت معركة اليرموك ، وأنها كانت فى جمادى الأولى سنة 13 هـ ، قبل اليرموك ، ويبدو أن الذى دعا ابن الأثير إلى إيرادها فى « الكامل » بعد اليرموك ، أنه اعتمد فى ذلك على ابن جرير الطبرى ، فأوردها على منواله ، بينما يقتضى السياق ـ والتواريخ أيضًا ـ أن تكون سابقة على معركة اليرموك ، وأن بُصرى هى أول مدينة فتحت فى الشام على يد خالد بن الوليد .

وجدير بالذكر أن البلاذرى أورد فى فتوح البلدان أن أجنادين الأولى سابقة على اليرموك ، وأن الطبرى نفسه ، أورد فى تاريخه أن معركة « أجنادين » ( الأولى ) كانت فى شهر جمادى الأولى سنة 13 هـ ، وذكر أيضا أن وفاة أبى بكر كانت لثمان بقين من شهر جمادى الآخرة 13 هـ ، مما يقطع بأن « أجنادين » دارت فى حياته ، وقبل اليرموك يقينًا ـ والتى وصل أثناء دورانها بريد المدينة بوفاة أبى بكر وولاية عمر .

    وعلى ذلك ، فالثابت بأدلة واضحة ومؤكدة ، أن معركة « أجنادين الأولى » ، كانت فى جمادى الأولى 13 هـ حال حياة أبى بكر الذى توفى أواخر جمادى الآخرة 13 هـ ، ولم يصل البريد بنبأ وفاته إلى اليرموك أو أثناء المعركة ـ إلاَّ بعد شهر من وفاة أبى بكر فى أواخر جمادى الآخرة .

    ودعانى إلى التوقف ـ فى كتابى عن أبى عبيدة ـ عند ترتيب الوقائع والتواريخ فى هذه الجزئية ، أنها يجب أن تكون حاضرة بوضوح فى دراسة معركة اليرموك وما دار فيها ، وأيضًا فى دراسة العزل الأول الذى قرره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد ، بتولية أبى عبيدة محله فى الإمارة العامة للجيوش فى الشام .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *