رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

معركة اليمامة

      تقدم خالد إلى وجهته على تعبئة كاملة كعادته ، وجاءته العيون بالأخبار عن مسيلمة وحركته ، فاحتاط وطلب من الخليفة مددًا عسى أن يحتاج إليه بعد الجولة الأولى ، فأمده الخليفة بجرير بن عبد الله البجلى ، ولكن خالدًا التحم بجيوش مسيلمة قبل أن يصله هذا المدد . 

     ولدى دنو خالد من أرض مسيلمة مرت مقدمته ليلاً بكوكبة من الفرسان بين الأربعين والستين ، عليهم « مجاعة بن مرارة » من زعماء بنى حنيفة وأصحاب الرأى فيهم ، فلما سئلوا عن دينهم قالوا : « منا نبى ومنكم نبى ! » ، فأمر خالد بهم واستبقى مجاعة عسى أن ينتفع بمنزلته فى قومه .

     ويروى أن خالدًا نزل على كثيب فى مواجهة مسيلمة . ثم التحم الفريقان « وقاتلت
بنو حنيفة قتالاً لم يعهد مثله » واندفعت فى هجمتها حتى دخلت خيمة خال من وراء العسكر وفيها امرأته أم تميم ومجاعة بن مرارة مقيد بالأغلال . فهم بعض الحنفيين بقتلها لولا أن حماها منهم مجاعة وأوصاهم بها خيرًا وهو يقول : نعمت الجرأة هذه . وعليكم بالرجال ، وقد شوهد فى معارك كثيرة بالصدر الأول أن الكرّة الأولى غالبًا ما تكون للمشركين لاسيما إذا اجتمع لهم العدد والراحة ، وهى مشاهدة غير مستغربة . لأن « الدفعة الحيوانية » لها غالبًا الوثبة الأولى فى مثل هذه الأحوال ، ثم يكون الثبات للعقيدة وللضمير ، وليس من شأن العقيدة أن تكون كالدفعة الحيوانية ، وإنما شأنها أن تحاسب النفس وتستعيد قواها وتستخرج ذخيرتها من أعماقها .

     وهذا هو الذى حدث فى عقرباء كما حدث فى وقائع شتى .

     فبعد الجولة الأولى التى فازت بها « الدفعة الحيوانية » برزت العقيدة إلى الطليعة وجاءت بمعجزاتها .

     انكشف الأعراب أولاً فى صدمة البداية ، وتزلزلت أقدام أناس من الأنصار والمهاجرين ، فبادر خالد إلى تنظيم جيشه على وضع جديد . فميز المهاجرين وميز الأنصار وميز الأعراب كل على رأيه . وصاح بهم : تمايزوا حتى نعرف من أين نؤتى .

     ثم عزم على الموت كما وصاه أبو بكر فوهبت له الحياة ووهب النصر : حمل على القوم حتى تجاوز الصفوف وجعل يخاطب مسيلمة ويعرض عليه النصف والرجوع إلى الحق ومسيلمة يروغ منه . ثم نادى بشعار المسلمين : « يا محمداه ! » ودعا إلى البراز وهو يصول ذات اليمين وذات الشمال ولا من يثبت له فى مجال  . ولم يزد على أن قال لمن حوله : « لا أوتين من خلفى » ومضى إلى تقدم بغير رجوع .

      وظهرت فى مقام الهول فضيلة الصناديد من كبار الصحابة . فحفر ثابت بن قيس لقدميه فى الأرض إلى ساقيه وهو يحمل لواء الأنصار بعدما تحنط وتكفن . فلم يزل ثابتا حتى قتل فى مكانه  .

     وصاح زيد بن الخطاب : « أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا فى عدوكم وامضوا قدمًا »  ثم أقسم : « والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكلمه بحجتى » فكانت آخر ما فاه به فى ذلك اليوم .

       وحمى البراء بن مالك وأخذته العرواء التى كانت تأخذه حين تتعالى الوغى ويحتدم القتال . فكأنما يبحث عن الموت ويهرب من الحياة .

       وتجاوبت الساحة بأصوات الأبطال يوصون بعضهم بعضًا وينظر بعضهم إلى بعض وهم يتنادون بينهم : يا أصحاب سورة البقرة ! يا أنصار الله ! كما ناداهم النبى عليه السلام فى يوم حنين . فاستحى كل منادى منظور المكان منهم فى ذلك المشهد العظيم أن ينكص على عقبيه ، ولم ير منهم إلاَّ قتيل فى موضعه أو زاحف إلى الأمام .

      وما هى إلاّ سويعات حتى انكشف أصحاب مسيلمة منكسرين ، وهرول مسيلمة نفسه إلى حديقة مسورة من ورائه . وقد سميت فى ذلك اليوم بحديقة الموت لكثرة من قتل فى طريقها أو فيها . ولاحت من البراء بن مالك نظرة إلى جانب الباب الذى أوشكوا أن يغلقوه عليهم . فصاح بأخواته : « يا معشر المسلمين ! ألقونى عليهم من فوق سورها » فاحتملوه حتى بلغ أعلى السور فسقط منه على القوم ، ولم يزل يعالج باب الحديقة حتى فتحه ، وقد تواثب أفراد من المسلمين إلى جانبه فأعانوه  .

     وقُتل فى هذه الهجمة مسيلمة كما قتل محكم بن الطفيل أكبر أعوانه ومشيريه ، فاضطرب بنو حنيفة ووقعوا فى الحيرة ، وهم فى هزيمة لا يشار فيها برأى ولا يصغى فيها إلى مشير .

     ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة ، وعزم على غزو حصونها جميعًا ولم يكن فيها إلاّ النساء والصبيان والشيوخ والكبار ، فاقترح عليه مجاعة أن ينزلهم صلحًا ، ثم خدعه وأخلص لقومه ، لأنه أمر النساء والكبار أن يلبسوا الحديد ويبرزوا من رؤوس الحصون ، فنظر خالد فإذا الشرفات ممتلئة من رؤوس الناس . فآثر المصالحة لما رأى بالمسلمين من الجهد « وقد كلّوا من كثرة الحروب » .

     فلما اطمأن المعتصمون إلى الحصون من بنى حنيفة فتحوا أبوابها فلم ير فيها إلا امرأة أو صبى أو شيخ فان أو رجل هزيل لا يرجى لقتال  .

     وقد روى أن خالدًا تقدم بعد المعركة إلى مجاعة يخطب ابنةً له ، وهى خطبة لا تُرفض ولكنها قد تقبل وتؤجل لأن مجاعة قد علم كيف تلقى الخليفة وأصحابه زواج خالد بليلى امرأة مالك بن نويرة فأشفق هذا الرجل المحنك من عاقبة تسوءه وتسوء ابنته وتسوء خالدًا ، فاستمهله وقال له : « مهلاً ! إنك قاطع ظهرى وظهرك معى عند صاحبك » … ولكنه لم يلبث أن علم إصرار خالد حتى أجابه ورأى أن عاقبة القبول أسلم من عاقبة الإباء .

      ولدى علم الخليفة بهذا الزواج ن كتب إلى خالد أعنف خطاب وجهه إلى قائد من قواده أو والٍ من ولاته ، وسماه « ابن أم خالد … » وقال له فى خطابه : « إنك لفارغ ! » ونعى عليه أن يتزوج ودم الشهداء لم يجف بعد .

     وقد كتب خالد إلى الخليفة يعتذر فى أنفة وعزة : « أما بعد فلعمرى ما تزوجت النساء حتى تم لى السرور وقرت بى الدار ، وما تزوجت إلاّ على امرئ لو عمدت إليه من المدينة خاطبًا لم أبل . دع أنى استثرت خطبتى إليه من تحدت قدمى . فإن كنت قد كرهت لى ذلك لدين أو دنيا أعتيبتك . وأما حسن عزائى على قتلى المسلمين فو الله لو كان الحزن يبقى حيًّا أو يرد مينًا لأبقى حزنى الحى ورد الميت ، ولقد اقتحمت فى طلب الشهادة حتى أيست من الحياة وأيقنت بالموت » .

 

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *