رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

   كان شغف الأستاذ العقاد بالتراجم والسير التاريخية والأدبية ، وتقديره لأثر مثل هذه الدراسة فى خلق القدوة والمثل الأعلى ، دافعًا له لتأليف سلسلة عبقرياته المشهورة التى أثرى بها المكتبة العربية .. وكتابه عن عبقرية خالد بن الوليد هو أحد هذه المؤلفات القيِّمة ، كتبه الأستاذ العقاد وأصدره سنة ( 1945 ) , بعد أن كتب عبقرية محمد وعبقرية الصدِّيق وعبقرية عمر وعبقرية الإمام علىّ ، على أنه من المهم أن نبدى أنه إذا كان الترتيب الزمنى للتاريخ اقتضى أن نبدأ بالخلفاء الراشدين ، فإن الأمجاد التى حققها خالد بن الوليد قد جرت فى زمن النبوة ، وخلافة الصدّيق ، والأيام الأولى من خلافة الفاروق ، التى أنجز فيها خالد انتصار اليرموك قبل أن يتصل علم خالد بعزل الفاروق له من القيادة ، وتولية أبى عبيدة بن الجراح ، فقد اعتزل هذا القائد الفذ اعتزالاً تامًّا  بعد العزل الثانى إلى وفاته فى عهد الفاروق ، وقبل خلافة عثمان والإمام علىّ ، على أن سنوات العزل والعزلة لم تكن بأقل السنوات وزنًا فى سيرة سيف الله المسلول ، فقد بلغ فيها القمة التى لا مرتقى بعدها لراقٍ كما سوف نرى .

       وعبقرية خالد شأنها فى ذلك شأن جميع العبقريات التى كتبها الأستاذ العقاد ـ ليست كتابا من كتب التاريخ التى تتعرض لسرد تاريخ القادة أو الأعلام سردًا روائيًّا ، بل هى دراسة فنية وتشخيص تحليلى سبر بهما أغوار نفس هذا البطل العبقرى ، وبين نواحى الكمال والعظمة فيه .. وأبرز كيف كانت حياة خالد وعبقريته الحربية معجزة الدنيا فى أوانه وفى كل أوان .

     فالأستاذ العقاد قلما يحفل فى عبقرياته بالأحداث والوقائع ، ولا يرجع إليها إلاّ لإثبات صفة أو خصلة من خصال العَلَم الذى يترجم له ، يتوخى إبرازها وكشف جوانبها وأصولها فيه  .

 

من هو خالد ؟

 

    قبل أن يجيب الأستاذ العقاد على هذا السؤال , يقدم فصلا عن البادية والحرب .. يبرهن فيه على أن البادية العربية وهبت العرب الخبرة بالفنون العسكرية .. وهى خبرة تقف ـ بجانب العوامل الأخرى التى أوردها المؤرخون وعلى رأسها قوة العقيدة الإسلامية ـ  تقف وراء الانتصارات العربية الكبرى على الفرس والروم .. فليس صحيحا أن هذه الانتصارات ترجع فقط إلى وهن الدولتين ومصابهما بالانحلال والضعف ، وليس صحيحا أيضا أنها ترجع فقط إلى قوة العقيدة التى افتقرت إليها هاتين الدولتين .. فالعقيدة لا غنى عنها . هذا حق ، ولكنها لا تغنى وحدها عن الخبرة والاستعداد ، فقد انهزم المسلمون يوم حنين مع عقيدتهم الراسخة عندما أعجبتهم كثرتهم وقلت مبالاتهم بعدوهم ، وفى ذلك يقول عزّ وجل  : « وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ » .

      وليس صحيحًا ما استعظمه البعض من المؤرخين القدامى والمحدثين , أن ينتصر العرب على دولتى الفرس والروم , ويحسبون ذلك من صنع المقادير غير القابلة للتكرار .

    وكافة التعليلات التى قيلت عن هؤلاء وأولاء , تعليلات ناقصة افتقدت الصواب فى بعض نواحيها , ذلك أن المصادفة المحضة لا عمل لها فى حوادث الوجود , فإذا حدثت مرة ,
فلا يستقيم أن تطرد فى كل مرة أو فى قتال بعد قتال .. على اختلاف مواضع وظروف القتال , ما بين جوف الصحراء , إلى العمران  فى العراق والشام ومصر , وفى مشارق الأرض ومغاربها بين أفريقيا والصين .

    كما وأن انحلال دولة ما , قد يفنيها أو يعجزها عن الصمود أو النصر , ولكنه لا يقيم دولة أخرى ما لم تتجمع لهذه الدولة أسباب النهوض والتمكين .

    والعقيدة كما أسلفنا قوة لا يُستهان بها , ولكنها لا تغنى وحدها عن الخبرة والاستعداد , ولا تفسر اختلاف النجاح باختلاف الخطط والقواد ..

    وعلى ذلك فمهما هرب أو تهرب المؤرخون من الحقيقة , فأنه لا محيص عن الرجوع إليها لفهم الغلبة الإسلامية , وفهم عبقرية خالد , وأيضًا لفهم هزيمة الفرس والروم .

     هذه الحقيقة هى أن المسلمين كانوا فضلاً عن عقيدتهم ـ على خبرة فى رسم وتنفيذ الخطط العسكرية , ولم تكن البادية العربية على جهلٍ بفنون الحرب كما تصور معظم هؤلاء المؤرخين !

     ويرجع الأستاذ العقاد هذه الخبرة العسكرية لدى العرب إلى ما عرفته البادية من حروب العصابات التى منحت البدوى حاسة الحرب ، ووهبته العلم بأصول الاستطلاع والمباغتة التبييت والمخاتلة مع حسبان الحساب للرجعة والإفلات ، بالإضافة إلى ما عرفه العرب فى الحروب التى وقعت فيما بينهم ـ كحرب الغساسنة مع المنذر بن ماء السماء ـ من تسيير الجيوش بعشرات الألوف ، ثم ما اقتبسوه من فنون الحرب مع الدول الكبرى على أيامهم  .

      انتقلت هذه الخبرة المتعددة المصادر إلى كافة القبائل بالجزيرة العربية ، إما بالقدوة والتلقين ، أو بالتعليم المقصود .. وكان نصيب قريش من هذا العلم أوفى نصيب .. فقد جمعت كل ما تفرق بين أبناء الجزيرة من المزايا والمعارف والصفات لأنها أخذت نفسها بأسباب الرئاسة المدنية والبدوية على السواء . ثم جاءت الدعوة الإسلامية تجمع شتات العرب الذين كانوا متفرقين بغير باعث إلى الوحدة والنهوض ، فأتمت لهم ما نقض ، وهيأت أمامهم ذرائع النصر .. فكان النبى عليه الصلاة والسلام يوقن أنه  مسمع بدعوته الأمم جميعا عما قريب .

قريش وبنو مخزوم

 

      بعد أن بين الأستاذ العقاد طبيعة البادية وما تغرسه فى الأعراب من ملكة الحرب ، وما تخلقه فيهم من قدرة على القتال ، انتقل إلى الحديث عن قريش، ومخزوم ..البطن القرشى الذى انحدر منه خالد ونشأ به ، لتكتمل باقى معالم صورة الجو الذى ترعرع فيه ، بمحيطيه الكبير والصغير ، فيوضح أن قريشًا عامة كانت موئل الثقافة العربية فى أنحاء الجزيرة كلها بين حاضرها وباديها .. وأن العرب كانت لهم فى السياسة والنظم الحكومية ـ فضلا عن الفنون العسكرية ـ خبرة لا يستخف بها .. وقد اختارت قريشٌ لنفسها نظامًا فريدًا يتفق مع ظروفها وأحوالها ، لعله أشبه النظم بنظام المشيخة لدى الرومان الأقدمين ، بيد أن الرأى الأخير يؤول فيه إلى مجلس يجتمع من رؤساء كل بطن فى القبيلة .. كما قامت قريش بتقسيم ما تقوم به من أعمال بين بطونها وزعمائها ..فكانت السلطة الروحية مثلا لهاشم وعبد الدار ، والسياسة لأمية ، والعسكرية لمخزوم التى كان لها أمر القبة وهى مجمع الجيش ـ والأعنة ، وهى قيادة الفرسان  .

       وقد كان بنو مخزم فى ثروتهم وعدتهم وبأسهم أقوى البطون القرشية حين ينفرد كل بطن منها عن سائر بطونها .. تبينت رجاحتهم فى مواقف كثيرة قبل الإسلام ، وبعده .. فكان لهم فى بدر ثلاثين فرسًا من مائة فرس لقريش كلها .. واضطلعوا وحدهم ببناء ربع الكعبة بينما اشتركت قريش كلها فى بناء بقية الأركان .

      وقد كان من أثر هذا أن عَظُم على نفوس بنى مخزوم أن يغلبهم منافس على الشرف والعزة ، أو تميل كفتهم لتكون مرجوحة فى ميزان الفخار .

     وعلى هذا المأخذ السائد بين بنى مخزوم ، قال أبو جهل : « تنازعنا نحن وبنو عبد مناف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسى رهان ، قالوا : منَّا نبىٌّ يأتيه الوحى من السماء .. فمتى ندرك هذه ؟! » ..

      ومن هذا الطبع ما كان بيديه الوليد بن المغيرة ، أبو خالد ، من أنه هو أحق الناس بالنبوة والقرآن ، ويقول : « أينزل على محمدٍ وأُتْرَك وأنا كبير قريشٍ وسيدها .. » وفى ذلك يقول القرآن المجيد : « وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » ..

     وفحوى ذلك شىء لا يخفى ، أن بنى مخزوم باءوا بكل أسباب المحافظة على القديم حين تصدى الإسلام لتبديل ذلك القديم !

     وصفوة هذا جميعه ، أن خالد بن الوليد قد دخل الإسلام بأوفى نصيب من حمية السيادة العربية فى عهد الجاهلية ، فصنع للإسلام وصنع له الإسلام الأعاجيب ، فكان خالد مقياس العبقرية فى عهدين متقابلين .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *