رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

موقف علىٍّ

من جريمة قتل الخليفة

    بسط الأستاذ العقاد مقتل عثمان فى كتابه « ذو النورين : عثمان » ، ولكنه معنٌّى هنا باستطلاع الموقف الذى وقفه علىّ من هذه الجريمة ، وهو موقف ينم عن خُلقه ورأيه ، وسريرته وجهره .

    هل يمكن أن يكون الإمام علىّ مسئولاً عن وزر هذه الجريمة ؟ وهل كان فى مقدوره أن يدفع أو يرد هذا المصير وتقاعس فى بذل ما كان عليه ؟

    هذا التساؤل يطرحه الأستاذ العقاد ليجيب عليه ، الإجابة الصحيحة ، بعيدًا عن الجدل والمجادلين ، أو أقاصيص المادحين والقادحين .

    والحقيقة التى لا ريب فيها ، وقبل أى شىء ، أن عليًّا لم يكن أقدر فى دفع هذا الخطر أو المصير بأكثر من قدرة معاوية أو عثمان نفسه ـ لو شاء عثمان أن يستمع إلى بعض الناصحين إليه .

    ومرجع اختصاص معاوية بالكلام ، ليس فقط افتعاله الإمساك بقميص عثمان ، وخروجه عن بيعة وطاعة الإمام ، وإنما أيضًا لأنه كان الأقدر على دفع هذا المصير ، فقد كان عزيزًا فى سلطانه ونفوذه بالشام ، وتحت يده الجند الكثيف المنصاع لأوامره ، وأنه كان فى مستطاعه أن يرسل إلى الخليفة من يحميه من هذه الشدة وإنْ أبَى ، سيما وقد كان لمعاوية قبولٌ لدى عثمان لم يكن لعلىّ أو غيره من الصحابة ، ومن ثم كان أقدر أن يميل بعثمان إلى الرضا بالحراسة ، أو الرضا برحلة إلى مكة حيث البيت الحرام ، أو إلى الشام .

      أما علىّ فقد كان موقفه أصعب موقف يتخيله العقل فى تلك الأزمة المتصاعدة المحفوفة بالصعوبات من كل جانب ، بما فيها جانب عثمان الذى رفَضَ تباعًا الإصغاء لكل نصح أبدى إليه !

    ومع أن عليًّا كان بحكم أخلاقة وسيرته ، غير راضٍ عن سياسة عثمان وبطانته التى حجبته عن قلوب رعاياه ، إلاَّ أنه كان أول من يتجه إليه عثمان فى طلب الغوث حين يشتد تأزم الأمور وكان هو أول من يلبى بل ويتصدى لدرء الخطر قبل أن يتلقى استغاثة .

    وكان من دقة موقف علىّ ، أن الثوار وعامة المسلمين ينظرون إليه على أنه أول مسئول عن السعى فى الإصلاح ، ويحسبه عثمان أول مسئول عن تهدئة الحال وكف أيدى الثوار .

    وقد ضاعف من صعوبة مهمة علىّ ، وسط هذه المرامى المتضاربة ، أنه لم يكن بموضع الحظوة أو القبول عند الخليفة ، وإنما كان مروان بن الحكم موضع الحظوة الأولى والاطمئنان إلى ما يبديه أو يشور به على الخليفة .

    وكم من مرة بل مرات ، إلاَّ ويفسد « مروان » ما سعى إليه علىٌّ  من إصلاح وتهدئة  ، مع بعض إخوانه من جلّة الصحابة .

    ففى المؤتمر الذى جمعه الخليفة للتشاور فى إصلاح الأمر وقمع الفتنه ، لم يكن علىٌّ مدعوّاً ولا منظوراً إليه بعين الثقة والمودة .. بل كان المدعوون إلى المؤتمر من أعدائه والكارهين لنصحه .. وهم معاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن أبى سرح وعبد الله بن عامر وسعيد بن العاص ، وهم فى جملتهم أولئك الولاة الذين شكاهم علىّ وجمهرة الصحابة ، وبرمت بهم صدور المهاجرين والأنصار .

    قال لهم عثمان :  « إن لكل امرئ وزراء ونصحاء ، وإنكم وزرائى ونصحائى وأهل ثقتى ، وقد صنع الناس ما قد رأيتم ، وطلبوا إلىّ أن أعزل عمالى ، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون .. فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علىَّ » ..

    قال معاوية :  « أرى يا أمير المؤمنين أن ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم ، وأنا ضامن لك ما قبلى » .

    وهذا رأى رجل يريد أن يحتفظ بولايته ، ولا يريد أن يغضب أحدًا من أصحاب الولايات فى غير مصره ..

    وقال عبد الله بن عامر : « رأيى لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك ، وأن تجمهرهم فى المغازى حتى يدلوا لك .. فلا تكون همة أحدهم إلا نفسه .. »

    وهذا رأى رجل يريد أن يشغل الناس عن الشكوى ولا يريد أن يزيلها ، ثم هو لا يبالى أن يخلق جهادًا تسفك فيه الدماء فى غير جهاد مطلوب .

    وقال عبد الله بن سعد : « أرى يا أمير المؤمنين أن الناس أهل طمع ، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم »

    وهذا رأى رجل يشترى الرضا بالرشوة ، ويستبقى ما فى يديه منها .

     وقال عمرو بن العاص ، وهو بين السخط على ولاية فاتها والطمع فى ولاية يرجوها : « أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون ، فاعتزم أن تعدل .. فإن أبيت ، فاعتزم أن تعتزل .. فإن أبيت ، فاعتزم وامض قدمًا » ..

    وهذا رأى رجل عينه على الخليفة وعينه على الثوار ، ولهذا بقى حتى تفرق المجتمعون .. ثم قال للخليفة حيث لا يسمعه أحد غيره : « والله يا أمير المؤمنين لأنت أعز علىَّ من ذلك .. ولكنى قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا ، فأردت أن يبلغهم قولى فيثقوا بى .. فأقود إليك خيرًا وأدفع عنك شرًّا .. »

     كان هذا هو رأى المقربين والوزراء والنصحاء من أهل الثقة الذين يميل إليهم عثمان ، ويأخذ بمشورتهم .

    فماذا كان بوسع علىّ أن يفعل ؟

    لا شك كانت حيلته محاصرة فى هذه المعضلة من كل اتجاه بما فيها الخليفة نفسه الذى يستمع إلى سواه ، وربما سبق الظن فى نواياه !!!

    ومع ذلك فإن عليًّا ـ رضى الله عنه ـ قد صنع فيما يرى الأستاذ العقاد ـ غاية ما يمكن أن يصنعه رجل معلق بين هذه النقائض المتناقضة !

    جاءه الثوار من مصر خاصة ، يتخطون الخليفة ويعرضون عليه الخلافة ، فأبى عليهم بل ولقيهم أسوأ لقاء ، وحذرهم وأنذرهم .

    وجاءوه مرة أخرى بحجة ناهضة ، يحملون خطابًا وجدوه فى طريق عودتهم إلى مصر مع غلام لعثمان ، يأمر عامله فى مصر بقتلهم بعد أن كان عثمان قد وعدهم خيرًا ، ومع ذلك فإن عليًّا لم تخدعه حجتهم الناهضة ، ولم يستكن لها ، وأبى أن تؤخذ الأمور بالظن ، بل وواجه الآتين إليه بما يقرب من الاتهام ، بقوله لهم متشككًا :  « وما الذى جمعكم فى طريق واحد ، وقد خرجتم من المدينة متفرقين كل منكم إلى جهة ؟! »

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *