رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

تابع عصر الإمام

     وقد كان العبيد والموالى بدورهم ساخطين , لا يرضون بحظهم من العيش بعد أن أعطاهم الإسلام الأمل والمساواة .

     وربما كان معظم من تآمروا على قتل « عثمان » من هؤلاء , فلما طولب أمير المؤمنين على بالاقتصاص منهم , قال « كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم ؟! » .

    وفى وصف هؤلاء , قالت السيدة عائشة رضى الله عنها : « إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه , اجتمعوا وعبيد أهل المدينة على هذا الرجل المقتول ظلمًا بالأمس ..»

*             *               *

    وكان من نصيب « علىٍّ »جمهرة القراء والحفاظ وأصحاب النسك والفقه والشريعة , وهم بالألوف متفرقون فى الحواضر والبوادى , حالهم كحال أنبياء بنى إسرائيل منذرين متوعدين ساخطين , منكرين لكل خلاف مهما كان يسيرًا فى إقامة أحكام الدين , لا يرضون عن الدنيا ولا عن من رضى بها من طلابها , ولا يستمعون إلى قول إلاَّ أن يوافق القرآن والسنة طبقًا لمنظورهم أو معتقدهم .

    وهؤلاء طالما وقفوا بين علىّ وبين القتال لأنهم لا يستجيزونه , ثم يقفون ضد الصلح والتحكيم لأنهم يجلون القرآن عن قبوله .

    هذا وكان من نصيب علىٍّ , أن أجتمع فى حصته كل منافسٍ على الخلافة أو متطلع إليها , ولم يكن هذا هو الحال فى الشام حيث ينعم معاوية بالقوة والنفوذ والسلطان !

*               *             *

     وكان كبار الصحابة فى القسم الذى كان من نصيب علىٍّ , ولم يكن إرضاؤهم بالأمر السهل , وقد روى أن أبا بكر أوصى عمر من بعده قائلاً : « احذر هؤلاء النفر من أصحاب رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ الذين انتفخت أجوافهم وطمحت أبصارهم وأحب كل إمرئٍ منهم لنفسه , واعلم أنهم لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله » ..

    إلاَّ أنه لما صارت الخلافة إلى عثمان ـ أهمل هذه السياسة الحكيمة , وشق عليه أن يطيل احتجازهم بالحجاز , فانطلقوا حيث ذهبت بهم المذاهب .

    وقد أورد الأستاذ العقاد نقلاً عن المسعودى فى « مروج الذهب » أنه : « فى أيام عثمان اقتنى الصحابة الضِّياع والمال ، فكان لعثمان يوم قُتِل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم ، وقيمة ضِياعه بوادى القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار وخلف إبلاً وخيلا كثيرة ، وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار ، وخلف ألف فرس وألف أمة . وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم ومن ناحية السراة أكثر من ذلك . وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم ، وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفًا ، وخلف زيد بن ثابت من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفئوس غير ما خلف من الأموال والضِّياع . وبنى الزبير داره بالبصرة وبنى أيضًا بمصر الكوفة والإسكندرية .. وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة وشيّد داره بالمدينة وبناها بالجص والآجر والساج ، وبنى سعد بن أبى وقاص داره بالعقيق ورفع سمكها وأوسع فضاءها وجعل على أعلاها شرفات ، وبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها مجصصة الظاهر والباطن ، وخلف يعلى بن منبه خمسين ألف دينار وعقارًا وغير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف درهم » .

    وقد كان هؤلاء فى حصة علىّ كما هو معروف , وكانوا عنصرًا من أقوى عناصر القلق والتبرم ..

    ولا يفوت أنه يغلب على أصحاب الثروات الانتصار للحالة القائمة مخافة أن يأتى الجديد بما يمس أوضاعهم وأموالهم ..

    وقد علم هؤلاء أن عليًّا كالفاروق لن يقرهم على ما هم فيه , ولن يلبث أن يحاسبهم على ما جمعوه , أو يأخذ عليهم , وعرفوا مذهبه فى حساب الولاية ومذهبه فى حساب الخلافة , وكانت سابقته فى الحساب يوم تولى الإمارة فى اليمن معروفة ومعروف من تضرروا منها . ولعل هذا النهج هو الذى كان يعنيه الفاروق بعد أن رشح الستة ليُختار الخليفة منهم حين قال : « لو ولوها الأجلح ( أى الأصلع ويقصد عليًّا ) لحملهم على الجادة » .

    ويضاف إلى كل هذه الظروف والأوضاع المعاكسة , أن الجزيرة لم تكن كالشام فى خيراتها ومواردها , بل وكانت تعتمد على غيرها وعلى ما يأتيها من خارجها !

 

الفارق بين قيادة المنافع

وبين قيادة الشكوى

 

    هذا هو لب المسألة , أو لب القسمة التى كانت من صُنْع المقادير , فقد صار معاوية  أشبه « بقيادة المنافع » المستبقاة , بينما كان علىّ أشبه « بقيادة الشكوى »  التى تطمح بأصحابها إلى التغيير أو طلب التغيير !

    ومن المفارقة المؤثرة فى مسار الأحداث , أن الإمام علىّ كان النموذج الأعلى لأصحابه , بينما كان معاوية نموذج أصحابه الأعلى .

    وليس يمكن تقدير الحوادث وما أسفرت عنه , إلاَّ إذا وضعنا هذه المفارقة فى الاعتبار .. كان الإمام على يعمل والحوادث حرب عليه , ومعاوية يعمل والحوادث عدة فى يديه !!

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *