رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

إسلامه

    لا يحصر الأستاذ العقاد هدفه ، فى كيف أسلم الإمام علىّ رضى الله عنه ، إنما تشمل غايته « توصيف » إسلامه من حيث عراضته وعمقه وقوته ، لنتعرف على « إسلام علىّ » الذى فهمه واعتنقه وتطبّع به حتى صار نسيجًا له ، وسار عليه والتزمه التزامًا لافتًا يبدو فيه جانب أساسى من تفرد الإمام بمبادئه وقيمه ومتانة شخصيته وعبقريته .

     من السطور الأولى يشير الأستاذ العقاد إلى أن « علىّ » وُلِدَ بداخل الكعبة ، وكرَّمَ الله وجهه عن السجود لأصنامها ، فكأنما كان ميلاده إيذانًا بعهد جديد للكعبة وللعبادة فيها .

     كاد علىُّ أن يولَد مسلمًا ..

     هذا هو المفتاح لإسلامه ؛ فقد فتح عينيه على الإسلام ولم يعرف قط عبادة الأصنام .

     فهو قد تربى فى البيت الذى خرجت منه الدعوة الإسلامية .

     وعرف العبادة من صلاة النبى عليه الصلاة والسلام وزوجه الطاهرة قبل أن يعرفها من صلاة أمه وأبيه .

     وجمعت بينه وبين رسول الدعوة ـ قرابة مضاعفة ، ومحبة أوثق من محبة القرابة .

     فكان ابن عم محمد عليه الصلاة والسلام وربيبه الذى نشأ فى بيته ونَعِمَ بعطفه وبره .

     وقد رأينا الغرباء يحبون محمدًا عليه الصلاة والسلام ويؤثرونه على آبائهم وذويهم ، بل وعلى أنفسهم .

     فكيف لا يحبه علىٌّ كل هذا الحب ، وقد جمعهما جدٌّ واحد ، وبيتٌ واحد ، ويجمعه برسول الدعوة جميلٌ ومعروف !

 

متى أسلم ؟

 

      اختلفوا فى سنه عند إسلامه ، ولعله أسلم وهو فى العاشرة ، حين تصدى لمناصرة النبى إزاء إعنات قريش .

     ولم يكن إسلامه عليه الرضوان لمجرد قرابته برسول الدعوة ، فمن أقربائه من بقى على الشرك ، ومنهم أخوه « عقيل » أحب أولاد أبى طالب إليه ، ومع ذلك بقى على شركه وحارب المسلمين فى بدر ، ولم يُسلم وقد وقع يومها فى الأسر ، وافتداه عمه العباس ، وخرج من الأسر على شركه ، ولم يسلم إلاَّ بعد صلح الحديبية .

*         *         *

  على أن الألفة بين ابنىْ العم الكريمين قد أوشكت ـ فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ أن تكون عائقًا لإسلام علىّ فى طفولته الباكرة ، ذلك لأن النبى عليه الصلاة والسلام أن يكون برّه بعمه وبابن عمه سبيلاً للتفرقة بين الأب وابنه ، ولم يشأ عليه الصلاة والسلام أن يتعود الطفل الصغير أن يخفى سرًّا عن أبيه وكأنه يخدعه ، ومن ثم ظل هذا الحرج الكبير عائقًا عسيرًا حتى شاع أمر الدعوة المحمدية وعلم بها أبو طالب ونصر ابن أخيه وأمر عليًّا بمتابعة ابن عمه ونصره ، فأقبل الغلام البار بأبيه وبابن عمه كافله ـ إقبالاً لا تلجلج فيه على الدين الجديد .

        فملأ الإيمان بهذا الدين قلبًا مهيئًا لاستقباله لا ينازعه منازع من أى عقيدة سابقة ، أو يخالطه ما يكدر صفاءه ، ومن هنا كان حقًّا وصدقًا ما يقال من أن عليًّا كان « المسلم الخالص » على سجيته المثلى ، وأن الإسلام لم يعرف أصدق وأصفى إسلامًا منه ، ولا أعمق نفاذًا فيه  .

     كان رضى الله عنه ، المسلم حق المسلم فى إيمانه ، وفى عبادته ، فى علمه وعمله ، وفى قلبه وعقله ، ومن ثم صَحَّ أنه قد طبُبع على الإسلام ، فلم تزده المعرفة به إلاَّ ما يزيده التعليم على الطباع .

      كان عابدًا يشتهى العبادة كأنها رياضة تريحه وليست أمرًا مكتوبًا عليه .

     وكان عليه الرضوان « محجة » فى الإسلام لا يحيد عنها لبغية يبغيها ولا لخشية يخشاها .

     فكلما زينوا له الهوادة أبَى أن يداهن فى دينه .

     وكان دينه له ولعدوه ، بل له ولعدو دينه ، فكان الحق عنده حقًّا واجبًا عليه لمن يرضاه ولمن يقلاه ، ما دام هو الحق الذى استحقه مستحقه حتى وإن آذاه ..

*       *       *

      وجد درعه لدى نصرانى ، فأقبل به إلى شريح القاضى يخاصمه مخاصمة رجل من عامة رعاياه ، وأبدى علىّ للقاضى أن الدرع درعه لم يبعه ولم يهبه ، ولكن النصرانى
قال :  ما الدرع إلاَّ درعى وما أمير المؤمنين عندى بكاذب ! فالتفت شريح إلى علىّ وسأله عما إذا كان لديه بينة على دعواه ، فضحك الإمام وهو يقول : أصاب شريح .. ما لى بينة ! فقضى شريح للنصرانى فأخذ الدرع ومشى وأمير المؤمنين ينظر إليه ولا يمنعه ، إلاَّ أن النصرانى لم يخط  خطوات حتى عاد يقول : أشهد أن هذه أحكام الأنبياء .. أمير المؤمنين يديننى إلى قاضى فيقضى عليه ! ثم قال : أشهد ألاَّ إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله . وأضاف : الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين ..

     ولكن الإمام علىّ يأبىَ أن يأخذ الدرع ، ويقول للرجل : أما وقد أسلمت فهو لك  .

     وقد شهد الناس هذا الرجل من أصدق الجند بلاءً فى قتال الخوارج يوم النهروان .

     ولقد أحسن علىٌّ الإسلام علمًا وفقهًا كما أحسنه عبادةً وعملاً ، فكانت فتاواه مرجعًا للخلفاء والصحابة فى عهود أبى بكر وعمر وعثمان ، وندرت مسألة من مسائل الشريعة
لم يكن له رأى فيها يؤخذ به أو تنهض له الحجة بين أفضل الآراء .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *