رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

     وازدادت الأمور سوءًا ، فقد حدث أن خلت الكوفة من واليها سعيد بن العاص ، وخلفه عمرو بن حريث ، وإذا بالجموع تلتقى فيها ومنهم من يشيع أن سعيد عائدٌ إليهم ، وأنه ذهب إلى الخليفة يريده على نقصان رزق نسائهم إلى مائة درهم ، ورد أولى البلاء من المجاهدين إلى ألفى درهم ، وجعل البعض يقول إن العراق « بستان قريش » تأخذ منه ما تأخذ وتدع ما تدع ، وطفق دعاة من هؤلاء يذيعون هذه القالة فى الناس أيام الجمع والناس مجتمعون فى المسجد ، فى الوقت الذى لا يسمعون فيه من يبطل ما يذاع بينهم من أكاذيب ، وحاول « عمرو بن حريث » ، فلم يجد ما يستعين به إلاَّ الصبر ، حتى انتهى به الأمر إلى منزله لا يأمر ولا ينهى .

 

الغاشية !

 

     أفاض الأستاذ العقاد فى تتبع هذه القصة إلى نهايتها ، وآثرت أن أنقل إليك قدر المستطاع ما سطره عنها لأهميته ، وقد كان أن بدأت هذه الغاشية فى أوائل خلافة عثمان واستمرت تتنامى حتى مقتله ، وما كان لهذه الغاشية أن تفضى إلى مقتل رئيس الدولة ، لولا شذوذ فى طبيعتها خرج بها عن السواء وتعدى بها أطوارها .

     وأنت لا تستطيع أن تعفى هؤلاء الولاة من مسئولية عدم التوفيق فى معالجة الأمور ، وقد زاد على ذلك أن الولاة قد صاروا جميعًا من قرابة عثمان ، ولا شك أن الكوفة شغلت عمر من قبل ، وكان أقوى من عثمان ، حتى بَدَّل ثلاثة من الولاة وَهَمَّ بإشخاص الرابع ، وشوهد عمر مكروبًا من الكوفة على قدرته التى لا تضيق بأزمة واضطلاعه بأعظم الأعباء ، حين لا يرضى مائة ألف عن والٍ ، ولا يرضى عنهم والٍ !

     والراجح فيما يرى الأستاذ العقاد أن الذى أعضل عمر فى هذه المشكلة ، هو مخافة أن يقع منه ظلم فى معالجته لها . ولو كان عمر على ثقةٍ ويقين من افتراء الشاكين لما أهمه أن يسخطهم أو يخسر ثناءهم ، وإنما كان ما يزعجه ويكربه أن تكون الشكاية عن حق ، فإن عرف وجه الحق سهلت المواجهة ، وعلى هذا جرت سياسة عمر وسياسة أبى بكر .

     وقد أعان أبا بكر أنه حين استخلف ورزقه لا يكفيه ، كان يخرج للعمل ، حتى صادف عمر بعض النسوة ينتظرون الخليفة ليقضى بينهن ، فانطلق عمر يطلبه فوجده فى السوق ، فأخذه بيده ليذهب به إلى حيث تنتظره النسوة ، وسأله عما يكفيه رزقًا حتى يدع الاشتغال بالعمل ، ووافق عمر وعلىّ على تقدير رزقٍ للخليفة الأول ، ولكنه تحرز ألا يقبل تقديرهما باقى المهاجرين ، فصعد المنبر وقال للناس :

     « إن رزقى ـ فى السنة ـ كان خمسين ومائتى دينار وشاة يؤخذ منها بطنها ورأسها وأكارعها ، وإن عمر وعليّا كملا لى ثلاثمائه دينار والشاة . أرضيتم ؟ »

     فأجابه المهاجرون بأنهم قد رضوا ، بينما صاح أعرابى من جانب المسجد يقول : « لا والله ما رضينا . فأين حق أهل البادية ؟ » .

     ولم يكن عسيرًا على عمر أو علىّ أو أبى بكر أن يعلموا أن هذه صيحة متنطعة لا يُصْغى إليها ، فمن المغالاة غير المقبولة أن يمنع رزق الخليفة الذى أقره ذوو الرأى من المهاجرين والمجاهدين إنتظارًا لسؤال أهل البادية .

     ولكن ها هى تستجد فى عهد عثمان مغالاة غلبت بسبب شهوات الدنيا وبطالة الفراغ .

     وقيض من ثم للخليفة الثالث ، باتساع الدولة وكثرة الأعداد وتغير الظروف ، أن يتولى أصعب خلافة فى صدر الإسلام .

     وكانت ثورة الفرس والروم والخزر أول صدمة تلقاها ، ولم تكن آخرها  .

    وهنا يذكّر الأستاذ العقاد بالفارق الذى ألمح إليه بين الخليفة والملك فى محاسبة النفس على شئون الرعية ، لينتقل للفارق الأصيل أو الشامل بين النظامين .

     وهو الفارق بين الثقة التى لا تحتاج إلى حماية وبين السلطة التى تحمى نفسها .

     فالخليفة يعمل ما يشاء فى ظل الثقة به والاطمئنان إليه ، من رعية تثق بخليفتها وخليفة يثق برعيته .

     أما المُلْك فالسلطة هى قوامه عند ذويه ، سواء نعموا بالثقة طواعية أم خذلتهم هذه الثقة عن إكراه وكراهية ..

     وقد وصلت الخلافة إلى عثمان وهو أحوج ما يكون إلى هذه الثقة ، بينما هى قد صارت أعصى ما تكون عليه .. وعلى سواه .

     سبقه بالحذر من عليه الناس خليفتان بلغت ثقة العلية والدهماء بهما غاية مبلغها .

     أما هؤلاء العلية فهم فى خلافة عثمان منافسون ونظراء ، وخلافته بينهم على شرط معرض فى كل لحظة للتأويل والحساب العسير .

     أما سواء الناس ، فقد شغلوا أولاً ، ثم فرغوا من الشغل للبطالة والملاحاة !

     وكانت سياسة أبى بكر وعمر أن يستبقيا العلية عندهما ، ويرسلا الجند والقادة على قدر إلى ميادين الجهاد .

     أما سياسة عثمان فقد اختلفت باختلاف الأحوال ، وانطلقت العلية فى الآفاق إرضاءً لهم وتوسلاً بمقالهم بين السواء والدهماء فى بذل النصيحة وحسن القيادة واتقاء الفوضى فى كل قطر من الأقطار .

     كان ذلك اجتهادًا من عثمان ، ولكنه لا ريب قد جانبه الصواب ..

     وعزت عليه الطمأنينة إلى الولاة مع الفراغ الذى صار للدنيا بعد الجهاد ، وقد اختار عثمان للولاية أناسًا من ذوى قرابته ، بعضهم سبقت له ولاية فى عهد الخليفتين السابقين ، عسى أن يصدقوه العون بحكم القرابة إنْ لم يصدقوه العون لوجه الله .

     ولما اضطر عثمان إلى هذه الخطة حاسب ضميره فعمل على تدارك الضرر منها ، والذى شاع عنه ـ وما أسهل الإشاعة ـ أنه كان يبالى ذوى الثراء ولا يبالى المقتربين والضعفاء ، وقد كان الذى يحدث منه يغضب الطامعين ويحمى المطموع فيهم من أهل الذمة وأهل الحاجة والمتربة . فمن أجل إبل الصدقة غضب الغاضبون حين حَمَى لها المرعى ، وزاد فى مرعاها على حسب زيادتها ، ومن أجل أهل الذمة غضب الشطار من قبيل حكيم بن جلبة ، لأنه أدبهم وأمر بحبسهم ونهاهم عن أموال أهل الذمة .

     أما الرزق الحلال فقد فرض لأصحابه ضعف ما كانوا يأخذونه من الأعطية يوم تولى الخلافة . فعل ذلك إيمانًا بالصواب ، لا من باب السياسة .

     ويوافق الأستاذ العقاد على رأى المؤرخين فى تقسيم عهد عثمان إلى قسمين : قسم الصلاح والرضى ، وقسم الخلل والشكاية . ولكنه لا يقر من يعزو هذا التقسيم إلى أيام الكهولة ، وأيام الشيخوخة ـ فى حياة عثمان .

     فالواقع أن عثمان كان شيخًا جاوز السبعين منذ بداية ولايته ، وإنما أتى الفارق من أن الناس كانوا مشغولين فى السنوات الأولى بالجهاد وصد الثورات والأخطار ، ثم ركنوا إلى الفراغ وتفرغوا للجدل والملاحاة فى السنوات الأخيرة .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *