رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

أزمات العمال والولاة !

     كان الوليد بن عقبة والى الكوفة ، قد اتهم بشرب الخمر ، فعزله عثمان وأمر بإشخاصه إليه ، وأسند الولاية بدله إلى سعيد بن العاص ، فغضب منه نفرٌ من بنى أمية لأنه غسل منبر المسجد قبل أن يعتليه ويخطب من عليه ، وعدوا ذلك تشهيرًا بالوالى المعزول ، وتربصوا الدوائر بالوالى الجديد ، يكبدون له ويغرون به .

    ويشير الأستاذ العقاد إلى أنه يقتبس من جملة المؤرخين كالطبرى وابن الأثير وغيرهما لتقدير الصحيح فى قصة تتعلق بسياسة سعيد بن العاص فى الكوفة ، لأن قصتذات خطر من بدء الفتنة إلى مقتل عثمان ..

     وزبدة القصة أن سعيدًا اختار وجوه الناس وأهل القادسية وقرًّاء أهل الكوفة ، فخصهم إذا دخل أن يدخلوا عليه ، وما عداهم فيدخل عليه كل الناس ..

     وبعد سؤاله أهل الكوفة عن حالهم ، كتب إلى عثمان يقول : « إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغُلب أهل الشرف منهم ، والغالب على تلك البدد روادفُ ردفت ، وأعراب لحقت ، حتى ما يُنظر إلى ذى شرف ولا بلاء مِنْ نازِلتها ولا نابتتِها » ..

     فأتاه الجواب من عثمان أن يفضَّل أهل السابقة والقُدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد ، وليكن من نزلها بسببهم تبعًا لهم ، إلاَّ أن يكون أهل السابقة قد تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء ، وليحفظ لكل منزلته ويعطيهم جميعًا بقسطهم على سنة العدل والمعرفة بأقدار الناس ..

     وأرسل سعيد إلى وجوه القوم ما ملخصه أنهم وجوه من وراءهم ، وأن الوجه ينبئ عن الجسد ، وأوكل إليهم أن يبلغوه الحاجات ، وترتب على ذلك أن انقطع الذين لا سابقة لهم ، وجعلوا يقعون فيه وفى عثمان .

      على أن سعيدًا لم ينقطع عن لقاء العامة إذا جلس للناس ، فحدث فى أحد المجالس أن فتىً غُرًّا أثنى على طلحة بن عبيد الله ، وقال : ما أجود طلحة ! ويبدو أن سعيد لم يكن موفقا ولا حصيفًا فى رده ، فقد قال للفتى : « إنَّ مَنْ كان له مثل بساتينه لحقيقٌ أن يكون جوادًا .. والله لو أن لى مثلها لأعاشكم الله بها عيشًا رغدًا ! » فقال فتىً حدثٌ آخر هو
عبد الرحمن بن قيس : « والله لوددت أن لك ما كان لكسرى على نهر الفرات » . فانتهره أناسٌ من الحاضرين ، وهاج الشر بينهم وبين أهل الفتى ، وسمع قومه من بنى أسد بما أصابه ، فجاءوا وأحاطوا بالقصر ، وعاذت القبائل بسعيد فأقسم لا يغشى مجلسه أحدٌ من أولئك الشاغبين ، فأقبل أولئك النفر يقعون فى عثمان .

      ونما هذا الشغب إلى عثمان ، فأذن لسعيد فى إخراجهم إلى الشام ، وكتب إلى معاوية : « إن نفرًا قد خُلقوا للفتنة فأقم عليهم وانههم ، فإن آنست منهم رشدًا فاقبلهم ، وإنْ أعيوك فارددهم علىّ » .

    فلما قدموا على معاوية ـ فيما أورد الأستاذ العقاد ـ أنزلهم كنيسة مريم وأجرى عليهم ما كان لهم بالعراق . وكان يتغذى ويتعشى معهم ويحادثهم ويستخبرهم عن شكاتهم عسى أن يقنعهم فقال لهم فى بعض هذه الأحاديث : بلغنى أنكم نقمتم قريشًا ، ولو لم تكن قريش كنتم أذلة . إن أئمتكم لكم جُنّة فلا تفترقوا عن جُنّتكم ، وإن أئمتكم يصبرون لكم على الجور ويحتملون منكم المؤونة . والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم السوء ولا يحمدكم على الصبر ، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية فى حياتكم وبعد وفاتكم ..

      قال رجل منهم ـ وهو صعصعة ـ : أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها فى الجاهلية فتخوفنا ، وأما ما ذكرت من الجُنة فأن الجُنة إذا اخترقت خلصت إلينا .

      قال معاوية : عرفتكم الآن . وعلمت أن الذى أغراكم على هذا قلة العقول . ثم قال لصعصعة : أنت خطيبهم ولا أرى لك عقلاً .. أعظم عليك أمر الإسلام وأذكِّرك به وتذكِّرنى الجاهلية ..

      وطالت اللجاجة بينه وبينهم فأجمع رأيه على إخراجهم بعد الكتابة إلى الخليفة ، وكتب إليه يصفهم ويقول عنهم :

     « قدم على أقوام ليست لهم عقول ولا أديان ، أضجرهم العدل لا يريدون الله بشىء ، ولا يتكلمون بحجة ، إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة ، والله مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم ومخزيهم ، وليسوا بالذين ينكون أحدًا إلاَّ مع غيرهم ، فَأنْهَ سعيدًا ومن عنده عنهم ، فإنهم ليسوا لأكثر من شغب ونكير » .

      وخرجوا قبل أن يخرجهم معاوية من الشام فقصدوا إلى الجزيرة ولم يعودوا إلى الكوفة اتقاء الشماتة بهم ، وسمع بهم والى حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فاستدعاهم منذرًا متوعدًا وقال لهم : يا آلة الشيطان . لا مرحبًا بكم ولا أهلاً .. خسر والله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم . يا معشر من لا أدرى أعرب هم أم عجم . لا تقولوا لى ما بلغنى إنكم قلتم لمعاوية . أنا ابن خالد . أنا ابن من قد عجمته العاجمات . أنا ابن فاقئ الردة .. والله يا صعصعة .. لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى ..

     ثم أقامهم شهرًا كلما ركب مشاهم معه ، وخافوه فاستقالوه وأعلنوا له توبتهم ، وسرح أحدهم ـ وهو الأشتر ـ إلى عثمان فخيره عثمان أن يحل حيث شاء ، فاختار العودة إلى ولاية عبد الرحمن .

     وجرى فى البصرة ما كان يجرى فى الكوفة من أشباه هؤلاء الروادف ، وكان فى بعض قرى الولاية قاطع طريق يسمى حكيم بن جَبَلة العبْدى يصاحب الجيش ثم يخنس عنه ويغير على أهل الذمة ، فشكاه أهل الذمة ورؤساء المسلمين إلى عثمان فكتب إلى ابن عامر والى البصرة أن يحبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة « حتى تأنسوا منهم رشدًا » فحبسه وتعقب خبره ، فجاءه النبأ ذات يوم أن رجلاً يدعى ابن السوداء نزل عليه وأخذ يصرح له ولأمثاله بالطعن فى عثمان وخلافته ، فدعا بابن السوداء هذا فإذا هو عبد الله بن سبأ ، يهودى من أهل اليمن يقول برجعة النبى إلى الدنيا ويظهر التشيع لعلىّ . فسأله ابن عامر : من أنت ؟ قال : رجل من أهل الكتاب رغبت فى الإسلام وفى جوارك . ثم أخرجه من البصرة لما علم من لياذه بالمفسدين فيها ، فذهب إلى الكوفة يلوذ فيها بأمثال حكيم بن جبلة فأخرج منها ، وذهب إلى مصر فجعل يكانب من تركهم فى البصرة والكوفة ، وأوى بمصر إلى حمران بن إبان وهو رجل موتور من عثمان ، كان قد تزوج امرأة فى عدتها ففرق عثمان بينهما وضربه وسيَّره إلى البصرة ، فسعى هناك فى وقيعة بين الوالى ورجل من النساك ، وافتضح كذبه عليه ، فأخرج من البصرة ، وذهب يتردد بين الشام والحجاز ومصر ، فلقيه فيها ابن السوداء وأوى إليه وأدخله معه فى مكاتباته وسعاياته ، وكثرت السعاية بين أهل الأمصار من الروادف وأشباههم ، فمن نزل منهم بالشام أرضاه معاوية أو أخرجه . ومن تحول عنها كاتب غيره للإجتماع فى مكان لا رقابة عليهم فيه .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *