رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

من إسلامه إلى خلافته

 

     مضت نحو ثلاثين سنة من إسلام عثمان إلى مبايعته بالخلافة ، شهد فيها كثيرًا من الأحداث فى عهد النبوة ، وفى خلافة الراشدين أبى بكر وعمر ، وجمعت المصاهرة مرتين بين حياته الخاصة وحياة النبى عليه الصلاة والسلام فى بيته ، مع اتصاله به فى الدعوة من سنتها الأولى .

     تزوج أولاً من السيدة رقية بنت النبى ، وهاجر بها إلى الحبشة ، فكان أول المهاجرين إليها ، ثم هاجر بها إلى المدينة ، وحينما مرضت أقام إلى جوارها يرعاها بأمر النبى ففاته بدر ، وماتت يوم وصول البشير إلى المدينة بنصر بدر .

      وكانت غبطة عثمان عظيمة بمصاهرة النبى عليه الصلاة والسلام ، وحزن كثيرًا لانقطاع هذه الصلة بوفاة رقية ، فلما شكى عثمان همه وانقطاع ظهره بانقطاع ما كان بينه وبين النبى من مصاهرة ، طيب عليه الصلاة والسلام خاطره وزوجه أم كلثوم وبقيت معه إلى أن توفيت فى السنة التاسعة للهجرة ، بعد ست سنوات من بنائه بها .

     واشهر الروايات أانه سمى بذى النورين لزواجه من بنتى النبى عليه السلام .

     وكان من محبة النبى عليه السلام وتقديره له ، أنه قال له مواسيا يوم وفاة رقية :
« والذى نفسى بيده لو أن عندى مائة بنت تموت واحدة بعد واحدة زوجتك الأخرى حتى لا يبقى من المائة شىء .. » .

 

ملازمته للنبى r

 

      ومنذ اليوم الأول الذى أسلم فيه عثمان ، لزم النبى عليه الصلاة والسلام ، ولم يفارقه إلاَّ للهجرة أو لمهمة انتدبه لها ، وترك عثمان تجارته الواسعة لمن يتولاها عنه بالوكالة ، حتى لا يبرح الدعوة والداعى ، وجعل بيته بيتًا لمال المسلمين قبل أن يكون للدولة بيت
مال .

      شكا المسلمون تغير الماء بالمدينة ، ولم يجدوا فيها غير بئر واحدة يستسيغون ماءها ، وكانت عند يهودى يغالى بثمنها ، فاشترى منه عثمان نصفها ، وجعل السقيا منها مجانًا للمسلمين فى الأيام المقسومة له ، حتى بارت تجارة اليهودى بالماء ، فباعه النصف الثانى للبئر بثمن معقول ، دفعه عثمان حتى تكون البئر بأكملها للمسلمين .

     ولما عَزَّ إمداد المسلمين لغزوة تبوك للقيظ وبعد الشقة ، جاء بألف دينار فى كمه ونثرها فى حجر الرسول ، وكرر ذلك غير مرة ، لتكون عونًا فى تجهيز وإمداد المسلمين .

      واشترى بثمن كبير أرضًا ليزيدها فى بناء المسجد ، ولم يتوان أو يقصر فى معونة يستطيعها فى عسرة أو مجاعة ، ولم يضارعه أحدٌ فى سخائه .

      وعهد النبى إليه بالسفارات التى يُخشى خطرها ، من ذلك إيفاده إلى قريش أيام الحديبية بديلاً لعمر بن الخطاب لعداوة قريش له .. ومع ما لعثمان من عزوة فى مكة فإنه لم يسلم من سفاهة السفهاء ، ولم يمنعهم أن يبطشوا به إلاَّ تصدى ابن عمه « إبان بن سعيد بن العاص » ، وقد شاع آنذاك بين المسلمين بالحديبية ، عندما تأخر فى العودة ، أن المشركين قد قتلوه ، فلما دعا النبى إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة ، وضع يده اليمنى على يده اليسرى وهو يقول : هذه بيعة عثمان .. « اللهم هذه عن عثمان فى حاجتك وحاجة رسولك » ..

 

كتابة الوحى

 

    ومن المهام التى اختصه النبى بها ـ أنه كان يكتب له الوحى عند نزوله ، وكان عليه الصلاة والسلام يناديه متحببًا ويقول له وهو يملى عليه : « أكتب يا غُثيمْ » . واستخلفه على المدينة فى غزوة ذات الرقاع ، وأرسله إلى اليمن مستطلعًا حين كانت إمارتها إلى علىّ ، وكاد أن ينفرد بالعمل بما يسمى اليوم « أمانة السر » ، وهى أمانة لا توكل إلاَّ لمن يوثق بصدقه وأمانته وكياسته .

      وكان من منزلته المنزلة التى لا يعتز بها كل صحابى ، وهى منزلة الرضى من رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى يوم وفاته ، فكان يقال عن هؤلاء ـ ومنهم عثمان ـ إن رسول الله قد توفى وهو عنهم راض .

مع الصديق

 

       كذلك كانت منزلة عثمان من أبى بكر ، فكان من أقرب المقربين إليه فى أعمال سياسته وأواصر مودته ، ومما يروى عن هذه المكانة ما كان يوم أن أشرف الصديق على لقاء ربه ، فقد جعل يملى على « عثمان » عهده الأخير ، وأخذته غفوة قبل أن يتمه ، فلما أفاق سأل عثمان : من كتبت ؟ قال : عمر . كتبها عثمان وهو يعلم أن نية الخليفة المحتضر لن تتعداه ، لتبطل اللجاجة ، وينسد باب الفتنة .

     قال أبو بكر لعثمان ، وهو على فراش الموت مطمئنًا إلى وفاء صاحبه وأمانة كتابته :
«
بارك الله فيك ! بأبى أنت وأمى . لو كتبت نفسك كنت لها أهلاً » .

     

مع عمر

 

     صارت الخلافة إلى عمر ، ولم يكن عنده قريب أو بعيد غير من يقربه عمل أو يبعده عمل ، وكانت أقدار الناس عنده تبعًا لمقدارهم عند الله ورسوله ، واستبقى كبار الصحابة إلى جواره ليستعين برأيهم ويجنبهم غواية الفتنة إذا انطلقوا فى الأمصار ، فبقوا إلى جواره سواء من بقى على رضى ، أم من بقى على تبرم .

     وكان عثمان ممن بقى معه ولازمه غير مكره ولا راغب فى الرحلة كما رغب فيها الذين يرتحلون ارتحاله قبل الإسلام ، فركن إليه عمر فى طلب المشورة وعمل بمشورته فى إحصاء الناس والأعطية ، وفى بدء السنة بشهر المحرم ، وعمل بها فى خطته الكبرى وهى خطة العزل بين الإمامة والقيادة إلى ميادين العمل والجهاد .

     ومن ثم كانت هذه الفترة فى التربية السياسية التى مرت به ، أكثر مما أتيح لكثيرين سواه .

     وكان عثمان منذ إسلامه ، مشهودًا له بالحزم والبصر ، والتأهب للمشاركة فى كل خطوة يتعاون عليها أقرب المقربين من صاحب الدعوة ، ومن الخليفتين من بعده .

     وعلى ذلك فقد تمرس عثمان فى تلك السنين ، بشئون الدعوة ، وشئون الخلافة ، وخطة التعامل مع الصحابة ، ومع المسلمين ، وكذا معاملة المشركين والمنافقين ، والمسالمين أو المحاربين ، واتضحت له حدود الإمام وحدود الرعية ، كما اتضحت له الحدود ما بين الترخص والتشدد فى جميع الحدود على اختلاف الأحوال .

     وهذه فيما يرى الأستاذ العقاد هى المشكلة الكبرى ، بل مشكلة المشاكل فى عهد عثمان من قبل ابتدائه إلى ما بعد نهايته .

    المشكلة الكبرى كما سوف تتراءى لنا ، أنه لم يعمل فى خلافته عملاً قط على غير سابقة تشبهه إلاَّ فى ظروفه وملابساته ، فقد تغيرت كل الظروف والملابسات ، وهى هى بيت القصيد .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *