رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

    سبب اختلاف عواقب الأسباب الواحدة , أنها جاءت فى فترة واقعة بين الخلافة وبين المملكة التى جعلت تشرئب , ومن هنا اضطرب الوزن , وتأرجحت المشاعر بين السخط والرضا , فما يصلح من وسائل فى فترة الخلافة , لا يصلح فى فترة المملكة المطلة , وكان مؤدى هذا أن تلك الفترة المتأرجحة بين بين , لا تستقيم فيها وسائل الخلافة , ولا تستقيم أيضًا وسائل المملكة , لذلك اختلفت عواقب الأسباب الواحدة .

    ولعل ما يعبر عن ذلك , أن عمر الذى كان ولا شك أقوى على الأمر من عثمان , جعل يقول فى دعائه وقد لمح البوادر : « اللهم كبرت سنى , وضعفت قوتى , وانتشرت رعيتى , فاقبضنى غير مضيع ولا مفرط .. » .

    والفارق بين عثمان ومعاوية , أن معاوية لم يكن له أمل فى زمن الخلافة , وكانت الخلافة ذاتها زاهدة فيه , فلما أقبل زمن الملك طلب الملك والملك يطلبه .

    وكان الفارق بين الخلافة والملك , ووسائل كل منهما , هو العقدة التى استحكمت فى عهد عثمان وأدت إلى ما أدت إليه , وانفكت أو انقطعت فى عهد على ومعاوية .

    والفارق بين على ومعاوية , ان عليًّا صمم على وسائل الخلافة فى زمن الملك فصادفته المشاكل وعانى منها , بينما انقاد معاوية إلى وسائل الملك وأقبل عليه , فدانت الأمور فى النهاية له !!!

بين الجاهلية والإسلام

 

    نشأ عثمان بن عفان فى أسرة أموية تنتمى إلى أمية جد أبيه , وعند النسابين مع خلاف كثير فى سلسلة النسب ـ أن هاشما وعبد شمس ولدا توأمين , وأمية فى تاريخ الأسرة إبن عبد شمس أحد التوأمين الأخوين , ويقول بعض النسابين بأنه ربيب عبد شمس وليس ابنه , وإنما هو ابن جارية رومية وصلت الحجاز ضمن ركب سفينة جنحت , ويفسرون بذلك قالة « ليس المهاجر كالطليق ولا الصريح كاللصيق » التى كانت تقال لمعاوية .

    على أنه أيا كانت أقوال النسابة , فان الثابت أنه كانت توجد منافرة شديدة بين أمية وهاشم , وإلى أيام الدعوة المحمدية , ويروى الأستاذ العقاد بعض آثارها نقلاً عن الرواة , ومنها ما اشتهر عن قيام هاشم بالتكفل بإطعام المعوزين من أهل مكة وجيرانها عام المجاعة , وعجز أمية عن مجاراته حينما أراد أن ينافسه فى هذا الشرف , فخرج أمية إلى الشام حيث أقام فيها عشر سنين , وقد امتدت هذه المنافسة إلى كل مطالب الحياة , وفى سباق الخيل , فكان السبق لفرس هاشم , على أن الاختلاف بين الرجلين كان أعمق غورًا من التنافس على الرئاسة ومناصب الشرف , حيث كان اختلافًا فى الخلق والطبيعة , فكان بنو هاشم على ما ثبت من الروايات المتقدمة أقرب إلى الأخلاق المثالية الدينية , وبنو أمية أقرب إلى الأخلاق العملية الدنيوية , وتجلى هذا الفارق فى الطبيعة والأخلاق قبل الإسلام وبعده , ومما يروى قبل الإسلام أن بنى هاشم كانوا فى مقدمة من قاموا بالأمر فى « حلف الفضول » , وتخلى عنه بنو عبد شمس فلم يشتركوا فيه , وخلاصة قصته أنه قد تعاهد أناس من بنى هاشم وأحلافهم ألا يُظلم بمكة غريب ولا قريب ولا حرٌّ ولا عبد ـ إلاَّ كانوا معه حتى يأخذون له بحقه من أنفسهم أو من غيرهم , وعمدوا إلى ماء من زمزم فجعلوه فى جفنة وغسلوا به أركان البيت العتيق وشربوه , وقد أبى الأمويون وبنو عبد شمس بعامة على أحد منهم أن يدخل هذا الحلف , حتى أفصح عتبة بن ربيعة عن أنه لولا أنُ يقال إنه خرج من قومه ـ لدخل حلف الفضول لما له من كرامة .

 

فضل عثمان

 

     ويستخلص الأستاذ العقاد من هذه المنافرة أن فضل عثمان فى إسلامه لا يدانيه فضل سواه من السابقين المعدودين , إذ لم يكن منهم من أقامت أسرته الحواجز العريقة من المنافسة والملاحاة التى كانت بين بنى أمية وبنى هاشم , وهى ملاحاة كانت أشد بالنسبة للدعوة المحمدية عما كانت بالنسبة لحلف الفضول , فالدعوة المحمدية تحطم كل صنم وتبدل كل عبادة , وتثبت لبيت عبد المطلب شرفًا لا يسمو إليه شرف بين الناس كافة , فضلاً عن قريش وأمة العرب بكل من تشتمل عليه , ولذا كان فضل عثمان فى إسلامه ـ بمغالبة هذا كله بين قومه ـ فضلاً كبيرًا , وإلى رغبته فى بيان هذا الفضل ـ عزا الأستاذ العقاد ما أفاض فيه من بيان للمنافرة التى كانت من قديم بين بنى أمية وبنى هاشم , والتى يحسب لعثمان أن آمن برغمها ورغم عوائقها بالدعوة المحمدية .

    وقد عانى عثمان بسبب إسلامه معاناةً كثيرة فى بيته ومن عمه , بيد أن هذه المعاناة لا تقاس إلى جانب الشر الذى قوبل به النبى عليه الصلاة والسلام من بنى عمومة عثمان وقرابته من الأمويين , فكان من ذلك أن « الحكم بن العاص » ـ عم عثمان ـ كان يتصدى للنبى ويشتمه ويمشى وراءه ويحاكيه فى مشيته من باب السخرية , وكان من ذلك ما يحدث من « عقبة بن أبى معيط » الذى كان يتربص بالنبى عليه الصلاة والسلام حتى يسجد فى صلاته ليلقى على رأسه « سلا الشاء » أو يطأ على عنقه الشريفة , وفى بيت عقبة هذا أقام عثمان زمنًا لأنه تزوج من أمه بعد موت أبيه فى صباه , ولم يدخل أحد من بنى أمية فى الإسلام ـ بسبب هذه العداوة ـ قبل عثمان الذى كانت له السابقة فى المبادرة إلى الإسلام برغم هذه العداوة .

    ومما يروى أنه حين علم عمه الحكم بإسلامه , أوثقه وعذبه وأقسم ألا يخليه إلاَّ إذا ترك ما هو فيه , وصبر عثمان على هذا العذاب حتى يئس منه عمه فأخلاه .

    وروى فى سبب إسلامه أن أبا بكر شرح له قواعد الإسلام وهداية الدين الجديد ، وأنس منه خشوعًا وتفكيرًا فقال له : « ويحك يا عثمان , والله إنك لرجل ما يخفى عليك الحق من الباطل . ما هذه الأوثان التى تعبدها وقومك ؟ أليست حجارة لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ؟ » .. فراجع نفسه وقال : « بلى والله إنها لكذلك » ، فدعاه أبو بكر إلى لقاء النبى ولقيه فقال له عليه السلام « يا عثمان ! .. أجب الله إلى جنته » . قال عثمان « فوالله ما ملكت حين سمعت قوله أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله , ثم لم ألبث أن تزوجت رقيَّة » ..

    وقد انتهت المنافرة بعد الإسلام بين الأمويين والهاشميين , إلاَّ أنه يحسب لعثمان أنه لم يسبقه إلى الإسلام أحد من بنى أمية , وأنه كان أصدقهم فى إيمانه بالإسلام .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *