رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

عمر فى بيته

 

 

     كان عمر الخليفة الأكبر فى الجزيرة العربية , وصاحب الغلبة على ملك الأكاسرة والقياصرة , ومع ذلك كان رجلاً فقيرًا يعيش فى بيته عيشة الكفاف , ويقنع من الغذاء والكساء بما لا يوافق كثيرًا من الرجال , وتأباه كثير من النساء .

    ولذلك لم يكن عجيبًا أن بعض النسوة أَبَيْن خطبته , لأنهن يأبين عيشته ..

    وهذه بدورها شهادة أخرى أبلغ من أى شهادة , أن يعيش فى بيته عيشة لا تُشْتهى بل لا تُقْبل , وفى يده صولة الملك , ولا ترى فيه امرأة من النساء ما يحببها فى أن تتزوجه , أو ما يخيفها من أن ترفضه وتأباه .

    وقد وصفته « أم إبان بنت عتبة بن ربيعة » , وقد رفضت خطبته , وصفته بأنه :
« رجل أذهله أمر آخرته عن دنياه , كأنه ينظر إلى ربه بعينه » .

    وهذه القالة لا تحتاج إلى إيضاح , وقريب منها خطبته إلى أم كلثوم بنت أبى بكر , إلاَّ أنها اعتذرت لأختها عائشة التى وسَّطَها عمر ـ قائلةً : «  لا حاجة لى فيه » ـ فلما زجرتها عائشة وسألتها أترغب عن أمير المؤمنين ؟! , قالت لأختها : « نعم , إنه خشن العيش شديد على النساء »  .

    ولم تستطع عائشة أن تجابه عمر برفض أختها , فوسطت فى ذلك عمرو بن العاص , الذى استخدم كل لباقته فى توصيل الرسالة إلى الفاروق , وفعل عمرو ذلك وهو آمن من غضب عمر .

    على أن الأستاذ العقاد ينبه هنا إلى أن الخشونة لا تعنى فقدان البر والرحمة , فقد يكون المرء ناعم الملمس وهو قاس مفرط فى القسوة , وقد يكون خشن الملمس وهو رحيم مفرط الرحمة , وكان هذا هو حال عمر .

    رحمة عمر كانت وكأنها فى غلاف , فإذا طالت بالناس عشرته سرعان ما ينقشع الغلاف عن قلب مفعم بالعطف والمودة .

    لذلك فإن زوجات عمر اللاتى عاشرنه , قد كلفن بحبه ورضين عيشه لما لمسوه فيه من مودة وعطف , ويتمثل الأستاذ العقاد بزوجته التى سميت « العاصية » وسماها النبى عليه السلام « الجميلة » , وبزوجته « عاتكة بنت زيد » , وما كان من كل منهما فى حبه والكلف به , وما رثته به « عاتكة » وبكاءها السخين عليه يوم قتل .

    كان عمر رحمه الله , مثلا فى مودته لأهل بيته رغم خشونته وشظف عيشه , وكان يقول : « أحب أن أكون الرجل فى أهله كالصبى , فإذا احتيج إليه كان رجلاً » .

*           *           *

    وتبدت هذه المودة والرحمة فى عمر , فى كل أواصره ووشائجه وقراباته , فضلاً عما كان عليه من عطف بأهل بيته .

    كان ابنًا بارًا لا ينسى التحدث عن أبيه ويعتز بذكراه على ما كان من شدته عليه فى صباه .

    وكان أبًا يحب أبناءه ويعرف وجد الآباء بالأبناء , وينزع الثقة من عامله الذى لا يحنو على صغاره . وقال لمرشح للولاية تعجب من تقبيل عمر لأبنائه , مبديًا أن له عشرة أولاد ما قَبَّل أحدًا منهم قط ـ قال له : « ما ذنبى إنْ كان الله عز وجل نزع الرحمة من قلبك .. إنما يرحم الله من عباده الرحماء , ثم ألغى كتاب تولية هذا المرشح وهو يقول : « إنه إذا لم يرحم أولاده فكيف يرحم الرعية ؟! » .

    وليس أكذب حديثًا من الافتراء الكاذب بأن عمر قد وأد فى الجاهلية , وآية الكذب والافتراء أن « حفصة » ولدت قبل الإسلام بخمس سنوات وعاشت حتى تزوجت بالرسول عليه الصلاة والسلام . وكل ما عُرف ونُقل وأثُر عن عمر ينفى ويدحض تمامًا هذه الفرية ..

*          *          *

    هذا وكان عمر أكثر ما يكون اعتصامًا  بقدرته حين يلمح الفتنة الكبرى التى تدفع إليها غواية الشيطان , فإذا اعتصم بنفسه فلا يُنتظر منه سوى شىء واحد , وهو تقديره للعدل
لا يحيد عنه شعرة .

    وسمع وهو خليفة , امرأةً تنشد من وراء بابها :

    تطاول هذا الليل تسرى كواكبه            :          وأرقنى إلاَّ خليل ألاعبه

  فوالله  لولا الله لا شىء غيره :          لزلزل من هذا السرير جوانبه

    فسأل عمر عن زوجها , فلما علم أنه خرج فى غزوة وطالت غيبته , أمر ألاَّ تطول غيبة الأزواج فى الغزوات .

    وكان يقبل شكوى الزوجة التى تشكو من زوجها إهمال النظافة والزينة , لأنه يرى أن النساء يحببن من أزواجهن أن يتزينوا كما يحب الرجال أن تتزين لهم زوجاتهم .

    ولم يكن عمر يتحرج مع المرأة مثل هذا التحرج أن تستر من سيرتها ما لا يضير ستره . وقد كاشفه رجل بأمر ابنة له أسلمت وأصابها حد من حدود الله , فهمًّت أن تذبح نفسها , فأدركها أهلها وقد قطعت بعض أوداجها فبرئت وتابت واستقامت على الهداية : وسأله
أبوها : هل يخبر القوم الذين يخطبونها بما تقدم من سيرتها ؟ .. فقال له عمر : ويلك ! .. أتعمد إلى ما ستره الله فتبديه ؟ .. والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنّك نكالاً ..
« انكحها نكاح العفيفة المسلمة » .

    ويذكر الأستاذ العقاد أنه قضى فى الخلاف بين الزوج والزوجة بالقول الفصل فى بناء الأسر وتعمير البيوت , حيث قال لرجل همَّ بطلاق امرأته لأنه لا يحبها : « أوَ كل البيوت بنى على الحب ؟ .. فأين الرعاية والتذمم ؟ .. » .

    وهذا بر بربات البيوت لم يدركه المتحذلقون الذين يلغطون بالحب والزواج ويجهلون أن الرعاية والتذمم أُقمن بالدوام والتعمير من زواج يُبنى على الحب وحده .. لأن الحب منوط بالأهواء التى تتغير بين آونة وأخرى . وأما مناط الرعاية والتذمم فهو الأخلاق التى قلَّ أن يطرأ عليها تغيير ..

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *