رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

ـ  ثقافة عمر  ـ

 

 

     ربما كان هذا الفصل الذى خصصه الأستاذ العقاد لثقافة عمرـ غريبًا أو غير متوقع لدى البعض ، ظنًّا بأن حياة العرب فى ذلك الزمان كانت بعيدة عن الثقافة ، وهو ظن غير صحيح ، فالفاروق عمر كان وافر الحظ من ثقافة زمانه بلغة العصر الحاضر ، فكان أديبًا مؤرخًا فقيهًا ، مشاركًا فى سائر الفنون ، مدربًا على الرياضة البدنية ، خطيبًا مطبوعًا ، وكان متميزًا فى نصيبه فى ثقافة زمانه .

    وربما الأغرب لدى البعض ـ أن يقرأوا أن عمر كان شغوفًا فى الجاهلية بالشعر والأمثال والطُرف الأدبية ، وأنه ظل كذلك بعد نهوضه بالخلافة واشتغاله بأعبائها وجلائلها ، فكان يروى الشعر ويتمثل به ويحث على روايته ويعتبرها من تمام المروءة والمعرفة ،
فكان يقول للمسلمين : « ارووا الشعر فإن روايته تدل على الأخلاق » ، ويقول لابنه
عبد الرحمن : « احفظ محاسن الشعر يحسن أدبك » .

    وكان يقول عن الشعر إنه ـ لمتعته الأدبية ـ يسكن به الغيظ وتهدأ الثائرة .

     وكان يقدر حذق الحديث فى الرجل ، وقدرته على الإبانة و المنطق الحصيف ، وقد جاءه وفدٌ فيه الأحنف بن قيس ، فاستفتح ما عنده من الحديث فأعجبه وأعظم قدره وعقد له الرئاسة .

    ومن ناحية الأدب و الدين معًا ، كان يحث على تعلم العربية « لأنها تثبت العقل وتزيد فى المروءة » ، وقد أوصى بوضع قواعد النحو لأنه قوام العربية .

    وظل الأدب مصاحبًا لعمر الخليفة ، ولم ينكر من الشعر إلاَّ ما ينكره الدين ، ولم ينس أنه الأديب الحافظ الراوية إلاَّ حيث ينبغى ذلك ليذكر أنه القاضى المتحرز الأمين .

    فنهى عن التشبيب بالنساء ، كما نهى عن الهجاء ، وقد مَرَّ بنا موقفه مع الحطيئة . وكان له حوارات يرويها الأستاذ العقاد مع الزبرقان وحسان بن ثابت تنم عن أحاطته بالشعر مع العناية بالنقد و التصحيح .

    ومن المشهور عن عمر ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ أنه كان عليمًا بتاريخ العرب وأيامها ومفاخر أنسابها ، كعلمه بالمتخير من شعرها وأمثالها .. جنح إلى ذلك بطبعه ، وبما نقله عن أبيه .

*            *            *

    وفقه عمر بالشريعة التى كان مسئولاً عن نفاذها ـ مشهور بين الفقهاء كاشتهار أدبه واطلاعه ، فكان عبد الله بن مسعود يقول : « كان عمر أعلمنا بكتاب الله ، وأفقهنا فى دين الله » . وكل ما فسر به آى القرآن فى معرض الحكم و العظة فهو التفسير الراجح فى ميزان العقل و الدين .

    ونصائحه للعلماء والمتعلمين نصائح عالمٍ يعرف ما هو العلم وماذا يجمل بالعلماء فى طلبه ، وله فى ذلك وصايا دالة على سعة إحاطته بما كان ينصح به .

    ولم يفته الحرص على المعرفة التى تخترع منها منافع الناس فى معاشهم ، فطلب إلى أبى لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة أن ينجز ما ادعاه من اختراع طاحونة تدار بالهواء .

    على أن زبدة الثقافة لدى أقطاب الحكم ، إنما تتلخص فيما يقول الأستاذ العقاد فى شىء واحد : هو الدراية بالناس ونفاذ البصر فى شؤون الدنيا وصدق الخبرة بدخائل النفوس البشرية ، وهو ما نسميه فى أيامنا بالرأى السليم و الحكمة العملية . وفى هذا المجال كان عمر بن الخطاب قليل النظير فيه .

    ومن ثاقب نظره وأقواله : « لا تعتمد على خلق رجل حتى تجربه عند الغضب » ، وقوله : « ما وجد أحدٌ فى نفسه كبرًا إلاَّ من مهانة يجدها فى نفسه » .

    ومن وصاياه فى الحب و البغض : « لا يكن حبك كلفًا ولا بغضك تلفًا » . وتحذيره من الفراغ حين قال : « أحذركم عاقبة الفراغ فإنه أجمع لأبواب المكروه من السكر » .

    وكان يعرف « جغرافية » الشرق كأحسن ما يعرفها رجل فى وطنه ، وكان يعرفها حقًّا عن سماع وعن رؤية وعن ذكانه تعين السماع والرؤية .

    فإذا قل من يتخيل علم عمر بالجغرافية والحساب ، فأقل منهم من يتخيل له حظًّا من السماع و الغناء ، ولكنه كان يسمع ويغنى فى بعض الأحيان ، ولا ينهى عن غناء إلاَّ أن تكون فيه غواية تثير الشهوات .

    وربما وقع فى نفس البعض أن تذوق الجمال والسرور لكل حسن جميل ، لا يتفق مع صرامة عمر وبأسه وشدة حجره على زينة الحسان . إلاَّ أن الأستاذ العقاد يرى أن هذه وتلك تنمان عن إحساس بخطر الجمال ، ولا تنمان عن قلة مبالاة يأثره .

*                *               *

    ومن الآدب العامة التى لها حظ من ذوق الجمال فى معرض السياسة أدب الذكريات ، وربما دل على نصيب عمر فيه أنه اختار أو وافق على اختيار يوم الهجرة النبوية بداية للتاريخ الإسلامى ، لأنه أصلح يوم يؤرخ به الإسلام .

    فإذا كان عمر المعجب بالجمال محجوبًا لا نراه إلاَّ من وراء ستار ، فإن عمر الرياضى المشغول بالرياضة البدنية كان ظاهرًا باديًا بعمله وقوله .

    أما الخطابة ، فقد كانت فيه من صفات البنية ولم تكن فقط من صفات الذهن ، فكان خطيبًا مطبوعًا يمتلىء فمه بالكلام حين يخطب كأنه خُلق ليقول ، وكان جهير الصوت واضح النطق سليم الشفتين فى إخراج الحروف .

    واختلفوا فى نظمه الشعر ، فزعم الشعبى أنه كان شاعرًا ورويت له أشعار ، بيد أن عمر نفى ذلك وقال : « لو كنت أقول الشعر لرثيت أخى زيدًا » .

    ولا ينى الأستاذ العقاد عن التمثل بمواقف عديدة للفاروق تنم عن ثقافته وأدبه وتذوقه للشعر والأدب ، ولا أستطيع الاستطراد فيها لضيق المجال هنا .

    ومحصلة هذا كله ، أن عمر كان نخبة من مثقفى عصره مجتمعة فيه ، وكان الجانب العملى فى ثقافته أغلب ,اظهر من جوانبها النظرية .

    

 

 

موقفه من الثقافات الأخرى 

 

    يفتح الأستاذ العقاد هذا المجال ليدحض أكذوبة تواترت أن عمر أمر بإحراق مكتبة الإسكندرية ، ليخلص بعد إيراد أدلة دحضه لهذه الأكذوبة ـ أن الآية على كذبها أن الذين دحضوها وأبرأوا عمر من تبعتها ـ معظمهم من مؤرخى الأوروبيين الذين يورد الأستاذ العقاد نبذًا من تناولات مشهوريهم كالمؤرخ الإنجليزى الكبير إدوارد جيبون Gibbon والبطريق يوتيخيوس Eutychius الذى توسع فى الكتابة عن فتح الإسكندرية و الدكتور ألفرد بتلر Butler المؤرخ الإنجليزى الذى أسهب فى تاريخ فتح العرب لمصر والإسكندرية ، والذى نقض هذه الفرية ، و المستشرق كازانوفا الذى أورد أن هذه الأكذوبة نشأت بعد الحادثة بستة قرون .       

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *