رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

ومع أن من تعرضوا بالنقد لعبقريات وتراجم العقاد ، تساندوا لما يقتضيه العلم من بحث يوجب التعرض للنقائص والمثالب والخطآت ، إلى جوار الإيجابيات أو نواحى العظمة ، إلاّ أنهم لم يلتزموا أصول العلم الذى يتساندون إليه ، بأن عقبوا على تراجم العقاد جملةً دون تفريد ، مع أن التفريد واجب ، لأن عبقريات وتراجم الأستاذ العقاد ليست جميعها على غرار واحد ، لا فى غاية كل منها ، ولا فى إطار وأسلوب ونمط تناولها ، فليست كلها من نمط العبقريات ، وليست كل تجرى لغاية واحدة على نمط واحد أو طريقة واحدة .

     فالتراجم التى حدا الإعجاب بشخصياتها وتقديرها إلى الكتابة عنها ، سواءً العبقريات أو غيرها ، غير التراجم التى دفع للكتابة عنها تعرية ما فيها من نقائص أو ما تسببت فيه من أضرار للإنسانية ، وأظهر مثل لذلك ما كتبه عن هتلر وموسولينى وكارل ماركس وستالين ، سواء بكتابه : هتلر فى الميزان ، أو بكتاباته عن الآخرين فى كتابه «الشيوعية والإنسانية» وفى كتابه عن المذاهب الهدامة .

     حتى داخل المجموعة الواحدة فى الاتجاه العام ، نجد التفريد واجبًا ، فأسلوب كتابه « إبراهيم الخليل أبو الأنبياء » و« حياة المسيح » ـ لا يتطابق مع أسلوب كتابة العبقريات بعامة ، والكتابة عن الشخصيات الإسلامية ـ غير العبقريات الخمسة ـ لم تجر على غرار واحد ، فأسلوب الكتابة عن الحسين ، والصديقة بنت الصديق ، وفاطمة الزهراء ، وبلال ـ غير أسلوب الكتابة عن معاوية وعمرو بن العاص .

     وأسلوب الكتابة عن الشاعر ابن الرومى فى كتاب حياته من شعره ، يختلف كل الاختلاف من أسلوب كتاب « أبو نواس ـ الحسن بن هانئ » ، ولا يتفق هذا أو ذاك فى الأسلوب والنمط مع ما كتبه عن شاعر الغزل عمر بن أبى ربيعة ، أو جميل بثينة .

     ولا يمكن أن تصنف فى أسلوب واحد ، بين هذه وتلك وبين ما كتبه عن ابن سينا أو ابن رشد أو الإمام الغزالى ، أو محمد عبده ـ ولا أن تدرج فى قائمة واحدة ـ رغم وحدة الاتجاه العام ـ بين ما كتبه عن «روح عظيم ـ المهاتما غاندى» ، وما كتبه عن « القائد الأعظم محمد على جناح » ، وما كتبه عن « الرحالة كاف عبد الرحمن الكواكبى » ، هذا إلى تراجم غربية متفرقة تفرقت وتغايرت أسباب وأسلوب الكتابة فى كل منها ، كما قد تلاحظ بين ما كتب عن التعريف بشكسبير وعن برنارد شو وعن تذكار جيتى ، أو ما كتب عن بنجامين فرانكلين أو فرنسيس بيكون ـ مجرب العلم والحياة .

     ولا يتأتى ولا يستقيم إطلاق حكم عام على هذا العدد الكبير المتنوع فى الكتابة عن هذه الشخصيات دون النظر فيما كتب عن كل منها ، ونمط وأسلوب ومنهاج هذه الكتابة ، الأمر الذى لم يلتزمه حتى النقاد المتخصصون فيما أجملوا فيه الحكم على كل التراجم دون تفريد أو استظهار ـ ماذا فى كل منها يمكن أن يظاهر ـ أو يخالف ـ هذا الحكم العام !

     وتستطيع من أول سطور كتاب « معاوية » ، أن تستخلص أنه لا يجرى على النمط العام الذى أجمل البعض أن الأستاذ العقاد التزمه فى كتابة التراجم بذكر الحسنات دون النقائص .

     فالأستاذ العقاد يفتتح كتاب « معاوية » بقوله : « التاريخ عرض الإنسانية .. والعرض مناط الحمد والذم فى الإنسان .. وكذلك التاريخ بالقياس إلى الإنسانية فى جملتها ، لا يكون شيئا إن لم يكن تقديرًا لما هو صادق أو كاذب ، أو ما هو صواب أو خطأ ، وما هو حميد أو ذميم من الحوادث والناس » .

     فإذا ما تركت هذه الكلمات الواضحة المغزى فى التقديم ، لوجدت فى متنه ما يؤكد أن تناول شخصية معاوية لم يلتزم ذكر الحسنات دون النقائص ، بل إنه إلى ذكر النقائص أقرب ، ويكفيك أن تطالع ما تضمنه الكتاب عن « الدهاء » ، أو عن « موقف معاوية من قضية عثمان » .

     ولن تحتاج إلى كبير عناء فى استكشاف أن كتابه عن عمرو بن العاص ، أقرب إلى نمط الكتابة عن معاوية ، ويكفيك أن تستقرئ الفصل الذى عقده الأستاذ العقاد عن
« التعريف بعمرو بن العاص » ، لترى أن البون شاسع بين أسلوب ونمط وهدف الكتابة هنا ، وبين ما كتبه عن العبقريات وأخواتها أو ما جرى مجراها .

     وواجب الإنصاف يقتضى أن نذكر للأستاذ الدكتور شوقى ضيف أنه كان ملتفتا إلى هذه الفروق فى الكتاب الموجز « مع العقاد » الذى بادر بإخراجه فى يوليو 1964 ضمن سلسلة « اقرأ» فور وفاة الأستاذ العقاد فى مارس 1964 ، فهو لم يدرجه فى المؤرخين حين عرض لتراجمه ، وهو لم يجمل القول فى كل تراجمه جملة ، وإنما خصَّ حديثه عن « العبقريات » ، وأوضح أن مراده كان أن يوفى هذه الشخصيات متونها من الثناء والإعجاب ، وأن يكون مثالاً للقدوة الحسنة ، وأنه لم يكن غائبًا من العقاد حين كتب هذه العبقريات أصول العلم والبحث التى تدعو لتناول الشخصيات بكل حقائقها وبكل كمالها ونقصها ، فقد صدر عن هذه الأصول فى دراسته لأبى نواس ، وأضاف أنه مع حرصه على عدم تمزيق ما تتدثر به الشخصيات الإسلامية من شمائل، لم يصعد بها إلى ذروة الكمال ، وأنه لم يطلق صفة العبقرية إلاَّ على من استوفاها ، وأنه ميز بين الشخصية العبقرية والشخصية الفذة ، وبين القدرة والفرصة ، وبين القدرة والعظمة ، فكل عظيم قدير ، ولكن ليس كل قدير عظيم . وأوضح الأستاذ الدكتور ضيف أن هذه العبقريات ليست سيرًا بالمعنى التاريخى المألوف ، وإنما هى « صور» تشخص الملكات والأخلاق ، وقلما تحتفل بالأحداث والوقائع ، لأنها لا وزن لها فى « الصورة » التى قصد بها إلى رسم الخصائص الخلقية والنفسية والإنسانية للعبقرية .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *