رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

    وعلى ذلك فليس ما تقدم به الحديث عن منهج الأستاذ العقاد فى كتابة العبقريات وأخواتها عن الشخصيات الإسلامية الكبرى ـ بقاعدة عامة تنسحب على كل ما كتبه من تراجم اختُصَّ كلٌّ منها بموضوعه وغاياته وما تستدعيه سبل البحث ووسائله وأغراضه .

    وجدير بالذكر أن الخطوط العامة فى تراجم الأستاذ العقاد ، لا تعنى الجمود عليها ، فهى خطوط مرنة توظف فى حدود إجلاء الفكره التى يتغيا جلاءها . خذ مثلاً «عبقرية الصدّيق» فقد كان همه فيها بيان لماذا كان الصديق الأول ، والخليفة الأول ، باعتبار هذا جزءًا لا يتجزأ من مسيرة الإسلام ذاته ، فدعاه هذا لأن يفسح لنفسه فى إيراد بعض المعلومات عن ميلاده ومن ثم سنه ، وعن صفاته وطباعه ، وعن فصول علاقاته ، لأن ذلك كان لازمًا لاستخلاص «مفتاح شخصيته » وهو « الإعجاب بالبطولة » وتقديرها وأثر ذلك ، ولازمًا أيضًا لبيان لماذا كان الخليفة الأول ، ولماذا كانت مبايعته « فلتة » وقى الله شرها ، وحمى الإسلام من نوازع السباق والتنافس من ناحية ، ومن شرور المرتدين والمتربصين بالإسلام من ناحية أخرى .

                                        *        *        * 

    ومما أثير ويثار بشأن تراجم الأستاذ العقاد ، والمقصود هنا العبقريات وأخواتها بالذات ـ أنه يميل أو أميل إلى الإطراء ، وإظهار جوانب العظمة والتميز والجمال والكمال ، وأن الأفضل للعلم والبحث ، التعرف على الشخصية بكل حقائقها أو جوانبها ، وبما فيها من أوجه الكمال وأوجه النقص .

    وأسارع فأقول إن هذا لا يثار بشان كل ما كتبه من تراجم ، فمنها ما أسرف فى بيان النقائص والمثالب والعيوب ، مثلما جرى بكتابه عن «هتلر» ، وبكتابه عن « أبى نواس » . فأصحاب هذه الملاحظة لا يعممونها على كل ما كتبه الأستاذ العقاد من تراجم اختُصَّ كلٌّ منها بموضوعه وغاياته وما تستدعيه سبل البحث وأغراض التعرف على الشخصية .

    ويضاف إلى هذه الملاحظة ما رآه البعض أن الأستاذ العقاد يصدر فى العبقريات وأخواتها ـ عن فكرة« مسبقة »غالبًا ما تحكم رؤيته ، ومن ذلك « مفتاح الشخصية » الذى قد يؤدى بدوره إلى إبراز ما يتمشى معها وتعضيده ، وإهمال أو عدم الإلتفات إلى ما قد يناقضها أو يضعف حجة الاستخلاص الذى تبناه فى التعرف عليها .

    ومما يذكر أن الأستاذ أحمد أمين ، كان قد تناول الشق الأول من هذه الملحوظة ، حين صدر كتاب « عبقرية عمر » سنة 1942 ، فى نقده للكتاب ولكتاب « الصدّيق » للدكتور محمد حسين هيكل باشا ، فعنى الأستاذ العقاد بالرد فى مقدمته لعبقرية الصدّيق ، وأورد توطئة لرده ـ أن زميلهم الباحث الفاضل الأستاذ أحمد أمين فى نقده لعبقرية الصدّيق لهيكل باشا وكتابه « عبقرية عمر » ـ قال : « … وبقيت مسألة هامه كثيرًا ما اختلفت وجهات نظر الكتاب فيها ، وهى أن العظيم ـ مهما عظم ـ له خطآت ، و إلاَّ ما كان إنسانًا والعصمة لله وحده ، فهل واجب المترجم للشخص أن يعرض لكل ذلك فى تفصيل ، فيذكر كل ما له ويشيد بذكره ، ويذكر خطآته وينقدها . ويعلم بذلك درسًا من نواحى مجده ، ودرسًا آخر من مواضع خطئه ، أم أن واجبه فقط تجلية نواحى العظمة والتأويل والدفاع الدائم عن نواحى الخطأ » ، وأضاف الأستاذ أحمد أمين أنه يرى أن الرأى الأول أوجب ، متأسيًا فى ذلك بأبى بكر وعمر نفسيهما . والمؤلفان الفاضلان (هيكل والعقاد) إلى الرأى الثانى أميل .

    ولم ينكر الأستاذ العقاد فى رده أنه بالفعل أميل إلى الرأى الثانى ، ولكنه الميل الذى تحده ما قدمه من حدود ، وما احتج به من أسباب ، بل ويخيل إليه أن الأستاذ أحمد أمين نفسه يستطيب هذا الميل حين قال فى صدر مقاله عن الكتابين .. : « … إن الأوروبيين قد وجدوا من علمائهم من يشيد بعظمائهم ، ويستقصى نواحى مجدهم ، بل قد دعتهم العصبية أحيانًا أن يتزيدوا فى نواحى العظمة ، ويعملوا الخيال فى تبرير العيب وتكميل النقص تحمسًا للنفس وإيثارًا لطلب الكمال . أما نحن ـ والكلام للأستاذ أحمد أمين ـ فقد كان بيننا وبين عظمائنا سدود وحواجز حالت بين شبابنا وجمهورنا والاستفادة منهم … » . 

    أما الحدود والأسباب التى أشار إليها الأستاذ العقاد ، فقد وردت بذات المقدمة ، وخلاصتها أنه وإن كان يتغيّا بيان الصورة بما فيها من دلائل العظمة ، إلاَّ أن ذلك محدود بأن تكون الصورة صادقة كل الصدق فى جملتها وتفصيلها .. فليس عن غرضه التجميل الذى يخرج بالصورة عن حقيقتها ، ولا يريد أن يطلع القارئ على صورة لا تعبر عن شخصية من يكتب عنه ، بيد أن تجميل الصورة شىء و توقير صاحبها شىء آخر ، فما ذكره من ملامح الشخصية هو التوقير الذى لا يخل بالصورة ، ولا يعاب على المصور .

    وانتقل الأستاذ العقاد وهو يورد رده فى تقديمه لكتابه الجديد « عبقرية الصدّيق » ، إلى بيان أن كل فضيلة أثبتها لأبى بكر ـ بالكتاب ـ هى فضيلته التى لا نزاع فيها ، وأن كل عمل استطاعه الصدّيق بقدرته ـ قد استطاعه فعلاً بغير جدال ، ولم يدع الكتاب قدرةً له لم تظهر وتثبت بأدلتها .

    وأشار إلى أن ثروات النفوس لا يفوتها الصدق إن فاتها إحصاء كل ما لا تملك ، وأن مذهبه الذى يتوخاه فى الكتابة عن العظماء الذين حسنت نياتهم فى خدمة الإنسان ـ أن يوفيهم حقهم من التوقير ، وأن يرفع صورهم إلى مكان التجلة ، ودون أن يمنعه ذلك من أن يصدقهم الوصف والتصوير .

    وجدير بالذكر ، وسوف يرى القارئ دليل ذلك فيما سيرد من تناولنا للعبقريات وأخواتها عن الشخصيات الإسلامية الكبرى ، أن الأستاذ العقاد مع إيراده لجوانب العظمة ودلائلها ، لم يدار عيبًا أو يتجاهل واقعه أو حادثة يمكن أن تكون جالبة للنقد أو المؤاخذة أو اللوم أو العتاب ، وبداهة فإن إيرادها ـ وهو ما يُطلب من المؤلف الأمين ـ لا يصادر حقه فى أن يدلى بدلوه فيها ، ما دام يملك حجته ومنطقه ويورد أسبابه وأدلته التى تنفى الخطأ أو تعذر فيه أو تزنه بميزانه الصحيح بغير إفراط ولا تفريط .

    وغنى عن البيان أن اصطناع النقد أو التعييب فى غير محله ، طلبا لسمعه العدل ، ليس عدلاً ولا أنصافًا !

    وأن خشية الاتهام بعدم الحياد أو بالتجميل ، لا ينبغى ولا يجوز أن تحجب صاحب الرأى عن إيراد رأيه الذى يراه ، ما دام يملك حجته ومنطقه وأسانيده .

    ومن حق الأستاذ العقاد وأن نذكر له أنه فى تناوله للعبقريات و أخواتها عن كبار الشخصيات الإسلامية ، قد ترجم فى معالجاته لها عن بصيرته الناقدة ، وذكائه الحاد ، ومعرفته الواسعة  الموسوعية ، وحجته الناهضة ، وقدرته الفذة على البيان والإقناع ، ولغته الرفيعه القوية الدقيقة .

    ومن حقه أيضًا ، وعلينا أن نتذكر ، أن العبقريات وأخواتها ، تعبر عن مدى الجهد الذى بذله العقاد ، ومدى العناء الذى وفره على القراء ، وجلال الخدمة التى أدها الأستاذ العقاد للإسلام وللثقافة العربية .

    ولا مبالغة فيما أوردته موسوعة أعلام الأدب المعاصر فى مصر ، من أن العبقريات وأخواتها ـ حققت كذلك هدفًا قوميًا ، كانت الأمة العربية ولا تزال فى أمسّ الحاجة إليه ، وهو تقديم « البطل » العربى المسلم وتجلية جوانب عظمته لأبناء هذه الأمة ليشعر أفرادها باعتزازهم بالانتماء إليها .

    ومن الحق أيضًا أن هذا اللون من الكتابة ، من أقربها إلى قلوب القراء ، وأكثرها انتشارًا وتأثيرًا ، وأنها بحكم ذلك قد أدت وتؤدى دورها الفكرى والأخلاقى ، وأنها قد حققت الأهداف الثقافية والقومية والدينية التى تتغياها ، مشفوعة باستنارة ملحوظة جعلت من هذا العملاق ـ رحمه الله ـ سادن الاستنارة فى الإسلام .      

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *