رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

عود إلى الثقافتين  

    أعاد الأستاذ العقاد إلى هذا الحديث ، فى المقال الثانى ، ما أبداه الأستاذ « سنو » فى مقال نشرته مجلة «المساجلة ـ Ecounter» ـ فى عدد فبراير 1960 ، وعقّب فيه على الآراء المبداه فى مسألة الثقافتين ، وصنفها فى ثلاث طوائف : الموافقين فى الرأى والنتيجة . والموافقين فى الرأى ومخالفين فى النتيجة . ومخالفين يعارضون كل المعارضة فى وصف المشكلة ، ويرون أن العصر الحديث كالعصر القديم فى تعدد الثقافات ، مع اختلاف الموضوع والمقدار .

    ويجتزئ الأستاذ العقاد بالإشارة إلى رد الأستاذ « سنو » المجمل على طائفة المخالفين ، ثم إلى الحل الذى يقترحه لعلاج المشكلة .

    فالمخالفون يرون أن الحال لم يتغير فى جوهرها منذ عصر النهضة إلى الآن ، وأنه لو تلاقى عالِم فقيه وشاعر فنان قبيل القرن السادس عشر ، لما كان بينهما من التفاهم والتقارب أكثر مما يكون بين علماء العصر الحاضر وأدبائه أو مفكريه ..

    وجواب الأستاذ « سنو » على هؤلاء ، أنه لا يُسلِّم بأن المسافة بين الفريقين كانت على هذا البعد من ثلاثة قرون . ومع أنه لا يقول إن العلم والأدب كانا قريبين متلاقيين فى القرن السادس عشر ، إلاَّ أن هناك « قنطرة » كانت بينهما ، موجودة ومستقرة ، وهى الآن تنهدم شيئًا فشيًا وتوشك أن تزول .

    أما حل مشكلة الثقافتين عند « سنو » ، فهو تعميم التصنيع فى المجتمعات الحديثة ، ولا بد فى رأيه من الاختيار بين البدائية الهمجية وبين تصنيع المجتمع وتعويد الناس جميعًا أن يعيشوا معيشة الحضارة العلمية ، فيصبح التثقف العلمى حقيقة واقعية يزاولها الناس فى البيوت والأسواق وشتى الميادين .

    ويرى الأستاذ العقاد أن « سنو » مصيب من الجانب الذى ينظر إليه ، وهو جانب
« الإنسان الغربى » وارث العلم والأدب فى البلاد الغربية من القرون الأولى بعد الميلاد ، حيث عاش هذا الإنسان على الدوام فى ميدانين متقابلين من عالم الثقافة : ميدان الروح وميدان الجسد ، وكان الانفصال بين هذين الميدانين بعيد الأمد يكاد ينتهى إلى عالمين متناقضين : أحدهما ملعون منبوذ ، والآخر مقدس مطلوب ولكنه غائب وراء الحواس بل وراء العقول .

    وليس الانفصال بين العلم والأدب فى القرن التاسع عشر وما بعده ، إلاَّ ميراثًا منقولاً من ذلك الفاصل القديم ، ولا غنى فى هذه الحالة عن تقريب القواعد قبل تقريب البناء الذى يقام عليها .

    ويرى الأستاذ العقاد أنه توطئة للنظر فى هذه الحلول المقترحة ، يتعين الإجابة أولاً عن ما هو الرأى فى « الشخصية الإنسانية » ، على أى من الأوضاع الاجتماعية فى هذا العصر الأخير : عصر الصناعة وحضارة العلم الحديث أو عصور الزراعة والعلاقات الاقتصادية على اختلافها  .

    هل « الشخصية » الإنسانية هى موضع وغرض ومدار التربية والتثقيف فى جميع الأحوال ، أم أن هذه المدارات لا تبالى مصير هذه الشخصية ؟

    لا مشكلة فى الإسلام من جهة الثقافة على أنواعها ، لأن « الضمير الإنسانى » هو المسئول فى الدنيا والآخرة عما يعمله الإنسان وما يعلمه ، وعما يدين به فى نجواه ، وما يدين به بينه وبين غيره .

    ولذلك فإن التربية فى الإسلام غايتها تهذيب هذه « الشخصية » ، وتكريس قواها الفكرية والبدنية معًا بكل ما يصلحها للعلم والعمل .

    وكل تربية ينالها الإنسان هى فيما يقول الأستاذ العقاد ـ امتداد لقوة من قواه ، سواء قوة الروح أو قوة البدن .

    وفى التربية الصناعية حقائق وأوضاع نسبية أخرى ، فقد تجعل يدًا أقوى من يد ، أو قدمًا أقوى من الأخرى ، وكذلك سائر الحواس فى الفرد الواحد ، أو بين الأفراد ، ولا شك أن هذه التربية ضرورية نافعة لا غنى عن تعميمها فى المجتمعات الحديثة ، وهى قد تمنح الإصبع قدرة على أن يحرك الجبال بالضغط على زر صغير ، وتمنح العين القدرة على النظر بالعدسات المكبرة إلى دقائق الخفاء وإلى دقائق الأفلاك فى السماء .

    بيد أن هذه القدرات على أهميتها وضرورتها ونفعها ، لا تبلغ فى القيم الإنسانية مبلغ القدرة التى ترفع ضمير الإنسان ، وتوليه من الشعور والفكر الوسائل التى يوسع بها آفاقه فى الحياة ، وتبسط بين يديه كونًا أعظم من الكون التام الذى يعيش داخل جسده .

    ولكن القدرة الروحية إذا عرف بها الإنسان مزايا الخير والجمال ، وتذوق بها محاسن وأعماق الحياة الفكرية والعاطفية ـ إنما تتوقف على « الشخصية » التى تزودت بها ولا يمكن أن تصنعها لها أى شخصية أخرى ، أو تعوضها ما تؤديه الأزرار والمكبرات والمناظير فى عالم العلم والصناعة .

    وهذا هو الفارق بين تربية وتربية ، أو بين تأهيل وتأهيل ، أو بين إنسان مثقف وآخر ناقص التثقيف .

    ومجمل الرأى أنه لن تتم فى أى مجتمع ثقافة عالية جديرة بأن تكون ثقافة إنسانية ، ما لم تكن هذه الثقافة ثقافة شاملة تتم بها مقومات « الشخصية الإنسانية » ، موفورة الحظ بين الضمير والجسد ، ومن العلم والأدب ، ومن ثم بريئة من داء الفصام ، ومؤهلة لمطالب الأذواق ومطالب العقول .                                 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *