رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

العيد الكبير

      قبل آلاف السنين ، كانت الضحية من قبيل الضحية التى تقبل عليها القروية الساذجة لمغالبة مرضها أو عقمها أو هجران زوجها ، أو قلة حظها ، والغرض منها دفع السوء على يد ساحر أو كاهن أو عرّاف .

      وكان هناك نوع آخر من الضحايا التى يُدفع بها السوء أو الخوف والتوجس ، وتلك هى الضحايا التى تقدم إلى أرواح الموتى ، والتى يحسب الناس أنها تجوع وتظمأ ، وتأكل وتشرب .. وكانوا يذبحون لها الذبائح ، ويتقربون بالقرابين دفعًا للسوء واتقاءً للحسد والنقمة .

       ثم ترقى شعور الناس بالضحية وفهمهم لمعناها مع ارتقائهم فى التدين ، فأصبحت الضحية تحمل الخطيئة عن صاحبها ، وكان مجرد فهم هذه الخطيئة تقدمًا فى الفهم والشعور بالعقيدة الدينية .

       وقد ارتقى الناس فى فهم التضحية بمقدار ارتقائهم فى فهم العقيدة الدينية . وجاء الزمن الذى كان فيه أنبياء بنى إسرائيل ـ كأشعياء وإرمياء ـ يبكتون الشعب لأنه يعلق رجاءه فى الخلاص والغفران على الذبائح والقرابين ، ثم ارتفع السيد المسيح عليه السلام بعقيدة التضحية ، فقدم الرحمة والشكر على فدية الأنعام والأموال ، وأوصى ببذل النفوس فى سبيل الهداية .

      أما التضحية فى الإسلام ، فهى شكر وصدقة وإحسان : « فَكُلُوا مِنْهَـا وَأَطْعِمُـوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ » ( الحج 28 ) ، « فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُـوا مِنْهَـا وَأَطْعِمُـوا الْقَانِـعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ » ( الحج 36 ، 37 )

     فالتضحية الكبرى هى التقوى ، وهذه الضحايا إنما هى وسيلة من وسائل الشكر والإحسان ..

     وليس من عقائد الإسلام أن الضحية تكفِّر الذنوب ، أو ترد القضاء .. ولكنها عطية واجبة تؤدى جانبًا من جوانب البر .

     وبذلك ارتفعت التضحية من السحر إلى العبادة ، ومن دفع السوء إلى بذل الإحسان .

*         *         *

   وتتلخص الآداب الإنسانية من هذه الناحية ـ فيما يبدو للأستاذ العقاد ـ فى كلمات ثلاث تجمعها : الحق والواجب والتضحية .

    الواجب وسط معتدل بين الحق والتضحية ، والتضحية أعظمها  .

     وكل تضحية واجبة أو مفروضة ـ هى فى الواقع رمز إلى التضحية العليا التى هى أرفع الواجبات والفروض ، لأنها لا تطلب ولا تُسْتوجب ، ولا يفرضها على الإنسان غير ضميره وشعوره .

     فإذا كان من آفات العصر الانشغال بالحقوق دون الواجبات والتضحيات ، فإنه بسبب ذلك   تضيع الحقوق وتسقط الواجبات ، وتغدو الضحية ضحية المضطر غير المختار !

    إن العصر الذى ينشغل بحقوقه دون واجباته ، يتحول الجميع فيه إلى طالبين مُطَالّبين فى ذات الوقت !

    تقول الحكمة إن الحقوق لا تضيع حين تُؤدى الواجبات ، وإن من لا يضحى باختياره يصير ضحية للحوادث بغير اختياره ، ولا شكران ولا ثواب لضحايا الضرورة .

    فهنيئًا بالعيد الكبير .. عيد الأضحى والقرابين ، فهو بشير يغنى عن التذكير ، والبشرى كالذكرى تنفع المؤمنين  ..

 الضحية فى مقارنة الأديان

     يشير الأستاذ العقاد إلى أن كلمة التضحية بمعناها الحديث ـ كلمة إسلامية ، لم تعرف بهذا المعنى : معنى الفداء ، قبل نزول القرآن الكريم .

      ومعناهما الأصيل مأخوذ من « الضحى » موعد تقديم ذبيحة العيد بعد صلاته ، وغير صحيح ظن بعض المتعجلين من المستشرقين أنها تشير إلى أصل قديم لعبادة الشمس فى عصر الجاهلية .

      والمقارنة المتئدة بين الأديان ، تسفر فى أمر « التضحية » عن حقيقة مطردة ، هى ارتفاع الإسلام شأوًا بعيدًا فوق أرفع الآفاق التى بلغتها أطوار الدين ، وهذه الحقيقة تظهر بغير عناء من كل مقارنة بين عقيدة الإسلام وما تقدمها من العقائد فى أصول وأمهات شعائر الدين .

     وتتلخص هذه الأصول ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ فى العقيدة الإلهية ، وعقيدة النبوة ، وعقيدة الصلاح فى النفس الإنسانية بين يدى الله وأنبيائه  .

     فالله فى الإسلام ، السرمدى المنزه عن شوائب المادة ، رب العالمين أجمعين ، وليس برب لقبيلة أو أخرى تختاره ويختارها لغير سبب دون الأمم كافة ، وليس ربًّا لطائفة من الناس يرتبط خلاصها بحادث من حوادث التاريخ فى زمن ما .

     والنبى فى الإسلام ، داعٍ إلى الهدى بحجة العقل والضمير ، وليس منجمًا لاستطلاع الغيب ولا وسيطًا لدفع الكوارث وجلب المنافع بين الخالق ومخلوقاته .

     والنفس البشرية ، نفس رشيدة مسئولة بعملها عن صلاحها وعن خلاصها  .

     وهذه الأصول الثلاثة هى أهم أركان العبادة فى كل ديانة .

     ولكن المقارنة بين الأديان فى الفروع تنتهى كذلك إلى تمييز الإسلام بمثل هذا الفضل ، أو هذا التقدم من وجهة النزاهة فى التفكير والاستقامة على هداية الضمير .

     ومن هذه الفروع عقيدة « التضحية » أو القربان فى الدين الإسلامى ، وفيما تقدمه من الأديان .

     وفيها يتجلى بطلان مزاعم الذين زعموا أن الإسلام نسخة محرَّفة أو مشوَّهة من اليهودية .

     فاليهودية تتعدد فيها القرابين ، ما بين بواكير الزرع أو بواكير الحيوان أو مواسم الحصاد ، وتكون تارة للغفران وتارة « رشوة » لتسكين الغضب استجلاب الرضا من الله . بل ويكون القربان الأكبر أحيانًا ـ طعامًا مقدمًا إلى الله لأنه ـ حاشا لله ـ يستسيغه ويشعر بالسرور لاشتمامه . يدل على ذلك ما طفق الأستاذ العقاد يستشهد به من نصوص إصحاحات أسفار العهد القديم ، كأسفار التكوين والخروج والأخبار .

     ولكن القربان ليس ثمنًا فى الإسلام للغفران ، ولا يتعلق بوساطة هيكل أو كهانة .

     وليس طعامًا للرب ، ولا طعامًا لأحدٍ من الوسطاء .

     وليس فرحًا بمنظر الدم أو احتفالاً برشه وغمس الأيدى فيه مرضاة للعيد أو لربه كما تقول نصوص أسفار العهد القديم .

     وليس فيه معنى من معانى التقريب للظواهر الطبيعية فى مواسمها المعروفة للحصاد .

     فالقربان الإسلامى بعيدٌ غاية البعد عن مراسم الوثنية وشعائر الكهانة ، ولكنه شكر لله وإحسان إلى الجياع والمحرومين وبرهان على التقوى والصلاح ، وهما كل ما يطلبه الله من عباده .. تنزه سبحانه وتعالى أن يطلبه سرورًا برائحته أو فرحًا بمنظر الذبائح فى دمائها واستئثارًا بالطيبات منها لمن يدعون الوساطة عنده ـ سبحانه ـ والشفاعة لديه !

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *