رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

فهم الإسلام

     وهذا بدوره مقال كتبه الأستاذ العقاد عن كتاب منقول إلى الإنجليزية من اللغة الفرنسية التى كتب أصلاً بها , للأستاذ « فريثجوف شيون ـ Frithjof Schuon » المتخصص فى العقائد الشرقية , ويقول عنه الحكيم الهندى « أناندا كومر سواى » إنه من القليلين القادرين بين الأوروبيين على نقل العقائد الشرقية إلى الغربيين , نقلاً صحيحًا غير مشوب بالغرض أو سوء الفهم . وقال عنه الشاعر الإنجليزى المعاصر « اليوت » ـ بعد إطلاعه على الكتاب ـ أنه لم يصادف كتابًا مثله فى علم المقارنة بين الديانات الشرقية والغربية .

   ويتضح من ذلك لماذا اختاره الأستاذ العقاد للكتابة عنه , وهو يرى أن مقصده لم يتوقف فقط عند فهم الإسلام , بل تجاوزه إلى إفهامه للغربيين .

   وتظهر طريقة هذا المؤلف فى الشرح , من تفرقته المجملة بين نظرة كل من المسيحية والإسلام إلى الإنسان .

   فالمسيحية عنده تقدم الإرادة على العقل .

   والإسلام عنده يقدم العقل على الإرادة .

   ويأتى كل فارق بعد ذلك , من هذا الفارق « الأساسى » بين العقيدتين .

   فإرادة الإنسان تسقطه وتحوجه إلى غفران الخطيئة بالفداء .

   وعقل الإنسان يوجب عليه أن يدرك عمله ويدرك التبعة التى تلزمه بين يدى ربه , ثم يلهمه كيف يلتمس البداية بالنظر فيما حوله وكيف يلتمسها بمعونة الله .

   وعقيدة المسلم والمسيحى فى المعجزات تابعة لهذا الاختلاف بين تقديم الإرادة على العقل وتقديم العقل على الإرادة .

ومن لوازم تقديم العقل على الإرادة ـ أن تكون معجزة الإسلام هى المعجزة التى تناسب المخلوق , وهى معجزة مخاطبته بالكلم الإلهى البليغ وهو القرآن .

   ولابد لفهم رسالة القرآن , من تذكر أنه كتاب فرائض وكتاب إقناع وكتاب هداية ,
وأن الإعجاز فيه لا يرجع فقط إلى فصاحة اللفظ ولا إلى نسق البيان وحده , ولكنه يرجع إلى
« إيحاء » اللفظ و « إيحاء » البيان بما يعجز أى كلام غير إلهى عن الإيحاء بمثله .

   ثم يلخص المؤلف رسالة القرآن من الوجهة الفلسفية , بأنها رسالة الإيمان والإسلام والإحسان , وفيها ـ مع خطاب العقل ـ مضامين تنطوى فى تلك المعانى التى يفهمها المخاطب بها كما ينبغى أن يفهم اللمحات والرموز الخفية , وهو باب مفتوح للاجتهاد .

   ومن تصحيحات المؤلف لفهم الغربيين للمناقب المحمدية « الشخصية » , تنبيهه إلى أن مصدر خطئهم هو تصورهم للرسول الدينى على صورة واحدة هى صورة بوذا والمسيح , وهى صورة تحيط بها هالة من غير هذا العالم الإنسانى .

   ولكن « محمدا » عليه الصلاة والسلام , لم تكن تحتويه هذه الهالة من غير العالم الإنسانى , لأنه رسول شريعة وصاحب جهاد فى هذه الحياة وفى الحياة الأخرى , ومثاله من صور الرسالة الدينية إبراهيم وموسى عليهما السلام .

     وللمؤلف تفسير « فلسفى » لعظمة النبى عليه السلام كما توحى بها العقيدة الإسلامية , فهو مثال « الإنسان الكامل » الذى لا مرتقى بعده لدرجات الكمال فى الإنسان , وهو مثال
« الإنسان القديم » أو « الإنسان الخالد » على صورة إله .

   وعلى ذلك فكما له جامع بين الفضائل السماوية والفضائل الأرضية .

   ويقول المؤلف بعد سطور « إن الذى يطلع إطلاعًا وافيًا على سيرة محمد من مصادرها المأثورة ـ ترتفع أمامه ثلاثة عناصر قد تتلخص فى هذه الصفات الثلاث : التقوى والجهاد والمروءة » .

   ويضيف أن غزوات جهاده , إذا عزلناها عن عنف الحروب , تدل على عظمة روحانية فوق مقدرة الإنسانية , وقد برزت فى حياة محمد دلالات كافية على العفة والنزاهة بخاصة فى أيام الشباب , حين يشتد جموح الشهوات . ويصح أن يقال إن روح النبى محمد قد جبلت من النبل والصفاء , وأولهما يجمع القوة والكرم , وثانيهما يجمع القناعة والاستقامة , وكان مسلكه فى طعامه ومنامه مسلك القانع القديم , ومسلكه مع النساء مسلك الكرم والمروءة .

*         *         *

   ويورد الأستاذ العقاد ـ أن الكتاب على فصول أربعة بعد المقدمة : أولها عن الإسلام , وثانيها عن القرآن , وثالثها عن النبى , ورابعها عن الطريق .. وهو عنوان شامل لكلامه عن التصوف الإسلامى مع المقارنة بتصوف الهنود وتصوف المسيحيين .

   والتصوف الذى يشرحه المؤلف فى الفصل الأخير , هو التصوف الذى يتميز بالنظر إلى الحياة الإنسانية نظرة « الإيجاب » والثبوت ولا يطمح بالعابد المتصوف إلى غاية نهايتها الفناء وفقدان الوجود .

   والله جل وعلا ـ هو فى هذا التصوف حقيقة الحقائق التى يبطل ما عداها .

   ولا ينسى الكاتب تفرقته بين الإرادة والعقل حين يعرض للفوارق بين تصوف المسيحية وتصوف الإسلام , وكلماته فى وجوه المقارنة هى أجمع ما عرض له فى كتابه فى نظر الأستاذ العقاد , مع احترامه لكل من الديانتين احترام السماحة والإنصاف .

   ويختار الأستاذ العقاد عباراته التى ختم بها خلاصة بحثه الشائق , وفيها قال :

   « وإذا كان الإنسان إرادة فالله محبة » .

   « وإذا كان الإنسان عقلاً فالله حق » .

   « وحين يكون الإنسان إرادة تسقط بلا قوة ولا ناصر , تكون محبة الله هى الخلاص » .

   « وحين يكون الإنسان عقلاً يضل ويتخبط فى الظلمات , فالله هو نور الحق الذى يهديه , لأنه من شان المعرفة أن تنهض بالعقل إلى ذروة الحق الذى يفيض عليها الصفاء والحرية » .

   « إن الحب الإلهى يحقق إنقاذه بأن يتنزل إلينا ليرفعنا , أما الحق الإلهى فإنما يحقق انقاذه بأن يعيد عقلنا الطبيعى إلى مصدره فوق الطبيعة , وهو عائد من ثم إلى صفائه الأول ,
وإلى الأفق الذى يدرك فيه أن الحقيقة المطلقة هى كل شىء , وأن العوارض دونها ليست بشىء … » .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *