رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

(2) مهدى السودان

   من علامات التوقع فى العالم الإسلامى فى أواسط القرن التاسع عشر ، بعد الاصطدام بغزوات الاستعمار ـ التجاوب السريع بين بلدان المسلمين لكل خبر من أخبار الدعوات والحركات العامة ، وبخاصة ما كان من أخبار الثورة والتغيير .

     ويشير الأستاذ العقاد إلى أنه لم يكد داعية البابية يلقى مصرعه ، حتى تسامع بهذا المصير مسلمو الهند ، وأفريقيا الشرقية والوسطى على وجه الخصوص ، فهى قديمة الصلة ببلاد إيران حيث كان الباب ، ولم تنقطع عنها أخبارها منذ صدر الإسلام ، وترجع هذه الصلة إلى ما قبل البعثة المحمدية .

     ويورد الأستاذ العقاد أن أقوى من تصدى للقيام بالرسالة المهدية بعد الباب ـ « محمد أحمد » الذى اشتهر باسم المهدى السودانى . وكانت دعوته باسم الإمام الثانى عشر الذى يترقبه الشيعة الإماميون . وقد نشأ بين أهل الطريق وقرأ أشراط الساعة فى كتب محيى الدين بن عربى ، واطلع على أقوال ابن حجر والسيوطى من أن من هذه العلامات خروج صاحب السودان .

     فلما انهزمت الدعوة المهدية فى إيران ، تهيأت الأذهان فى البلدان الأخرى لقبول دعوة غيرها يكتب لها النجاح .

     وينتسب المهدى إلى الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنه ، ويقال إن أجداده الأقربين أقاموا ـ فيما يذكر الأستاذ العقاد ـ بإقليم المنيا زمنًا بعد مقامهم إلى جوار الفسطاط ثم انتقل بعضهم إلى بلاد النوبة ، ثم استقروا فى « دنقله » ، ثم انتقل أبوه عبد الله إلى الخرطوم حيث عمل بصناعة السفن ، وتوفى بقرية « كررى » إلى جوار أم درمان .

     وولد لمحمد أحمد ، سنة 1845 ، ابنه محمد ، وجعل يطيل التفكير فى تلاقى اسمه مع اسم الرسول، وفى المشابهة بينه وبينه فى اليتم ، وأخذ نفسه فى الرياضة الصارمة واجتناب الملاهى ، وكانت صرامته مثار خلاف مع أستاذه الشيخ محمد الشريف أحد مشايخ السمّانية ، فأنكر عليه ما كان يسمح به لبعض مريديه فى الاحتفال بختان أبنائه ، وأفضى ذلك إلى مفارقته ، فلاذ بشيخ آخر من شيوخ الطريق بجزيرة « أبا » إلى أن استقل بالمشيخة وقد ناهز الأربعين .

   وبعد وقائع بينه وبين جنود الحكومة ، ثم له الظفر بالحملة المعروفة باسم « حملة هكس » ، وكانت بريطانيا تعوق مصر عن إمدادها ، واتخذت من الحملة موقفًا معارضًا أبرق به اللورد جرانفيل من لندن إلى القاهرة ، واشتد الخلاف ، واستبد « هكس » برأيه ووقع جيشه فى كمين إثر كمين ، ثم فوجئ بضعفى عدده من الدراويش ، وقواته فى غاية الجهد من العطش والجوع ، وبلغ عدد القتلى من الحملة المصرية نحو عشرة آلاف .

     وكانت هذه الكارثة ذريعة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ لإكراه الحكومة المصرية على إخلاء السودان ، وانحصرت القوة التى رفضت الإخلاء بقيادة « غوردن » فى مدينة الخرطوم ، حيث اضطرت المدينة بعد اليأس من النجدة إلى التسليم .

     وعاش القوم ردحًا من الزمن يترقبون ظهور المهدى المنتظر ، ويتخيلون أنهم يلمسون حولهم أشراط الساعة من سوء الأحوال وعموم الفساد وغلبة الكفر على الإيمان .

     ويبدو أن صاحب الدعوة قد توطدت فى نفسه ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ الثقة برسالته مما عاينه حوله ، فأكثر من إرسال الكتب إلى الملوك والأمراء ، وحرّم على أتباعه الحج اكتفاءً بالحج إلى مقامه ، وترديده أن الله تعالى جعل له على المهدية علامة ، وجعل له علامة أخرى منها راية من نور تكون معه فى الحرب ، وقد ذكرنى ذلك شخصيًا بما كان يفعله البدر ابن الإمام أحمد باليمن ، من مزاعم وتشبيهات جعل يلفقها على هذه الشاكلة .

     وجعل يدعى أن « سيد الوجود » صلى الله عليه وسلم ـ أخبره يقظة أنه خالٍ من مواقع الجنون أو الندم أو الجذب أو السكر ، وأنه متصف بصفات العقل يقفو أثر « سيد الوجود » عليه الصلاة والسلام فيما يأمر به وينهى عنه ، ولا يفتأ يذكِّر الناس أنه من نسل الرسول من جهة أبيه وأمه ، وأنه ينتسب إلى الحسين رضى الله عنه .

(3) القاديانى

     وكان من أسباب ذيوع أخبار مهدى السودان فى البلاد الآسيوية ، ولا سيما الهند والصين ، أنه هزم القائدين « هكس » و « غوردن » ، فلما قُتل هذا فى حروبهما مع مهدى السودان ، طارت الأنباء بالوقائع حتى خشيت حكومة بريطانيا العاقبة ولم تكن قد هدأت بعد عقابيل الثورة الهندية سنة 1857 ـ فكان عاملاً على الأرجح لعطفها على الحركة القاديانية الهندية ، والتى تنادى بوجوب الجهاد بالإقناع والبرهان ، وإسقاط فريضة الجهاد بالسيف ، بما استتبع انصراف القوم عن تصديق مهدى السودان .

     وقد كان مولد « ميرزا غلام أحمد القاديانى » سنة 1839 م ، ببلدة « قاديان » وإليها يُنسب ، من أسرة عريقة آلت إليها الأمور بعد الثورة ، وتلقى تعليمًا فى مكتب القرية ، وشب يسمع عن كرامات أبيه ومنها أنه كان يعرف المولود قبل ولادته ويسميه ، ونشأ منقبضًا جانحًا إلى العزلة ومطالعة الأسفار القديمة من كتب الشيعة والسنة والأديان ، ويقال إنه لقى فى سياحاته من أنبأه بموافقة أحواله وأحوال زمنه لعلامات المهدى المنتظر ، ولم يقتصر فى علاماته على الكتب الإسلامية فجعل يلجأ إلى أسفار العهد القديم ، وإلى كتب المجوس ، وجعل يقول إنه هو صاحب الزمان الموعود .

     وقد زعم أيضًا أنه المسيح المنتظر ، وألّف كتابًا سماه « البراهين الأحمدية » ، وفسر ظهور المسحاء بعد الإسلام بأنهم هم الأولياء ورثة الأنبياء ، وادعى أنه مجدد القرن الرابع للهجرة .

     ومدار القاديانية ، فيما يورد الأستاذ العقاد ، التوفيق بين الأديان وتدعيم السلام بين الأمم .

   وفى كلام القاديانى ما يشبه القول بالحلول .. فهو يتلبس بروح السيد المسيح وروح كرشنا رب الخير عند البراهمة ، كما يتلبس بأرواح غيرهم من الصالحين .

     وحين توفى القاديانى سنة 1908 ، انقسم أتباعه إلى فريقين : الأحمدية ويؤمنون بإمامته ولا يؤمنون بنبوّته ، والقاديانية وهم القائلون بنبوّته ، وينكر هؤلاء قراءة وَرش ويتشبثون بقراءة حَفص عن طريق عاصم .

     ويبدو فيما يقول الأستاذ العقاد ، أن الفرقة القاديانية كانت أقرب الفرقتين إلى هوى الدولة البريطانية ، لأنها لم تكن تعارض الحكومة ولم تتورع عن اشتراط الطاعة لها على من يدخلون فى زمرتها .

     ويعتذر أصحاب هذه السياسة برعاية الضرورة ، والتوسل بسلطان الدولة إلى تيسير الدعوة ، ولكن سياستهم قوبلت بالنقد الشديد من أتباع القاديانى أنفسهم بعد نهضة الاستقلال وقيام الدعوة إلى نصرة الخلافة . وكان لهذا الانقسام السياسى أثره الأكبر فى تفرق أتباع الطائفة إلى أكثر من فريقين ، وهم جميعًا لا يزيدون على مائة ألف أو نحوها ، ولهم رغم هذا التفرق إيمان وثيق يصدق دعوتهم ، ودأب كبير على نشرها فى العالم بمختلف اللغات .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *