رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

قوة غالبة وقوة صامدة

قوة غالبة !

   كان من أعجب العجائب أن تلحق بالدولتين الكبيرتين : فارس وبيزنطة ، الهزيمة فى بضع سنوات ، وأن تجيئهما القوة التى هزمتهما معًا فى وقت واحد ، من وراء الرمال أو المجهول أو الغيب .

   ولم تكن هذه القوة دولة ولا قوة سلاح !

   ولكنها كانت قوة غالبة لم تصمد لها أىٌّ من القوتين .

   قالوا فى استطلاع السبب إنها خشونة البادية غلبت ترف ورخاوة الحضارة ، بيد أن الدولتين اللتين هزمتا معًا كانتا تحكمان الملايين ممن لا يعرفون غير خشونة العيش .

   وقيل إنه احتقار العرب للعجم ، وكل الناس عجم عند الناطقين بالضاد ، ولكن كيف والشعور متبادل لا يقع النصر إلاَّ لجانب واحد . وعن تيه العجم أو الفرس بقوتهم رُوى أن زعيمًا عربيًّا من اللائذين بدولة فارس عرض على قائدهم « مهران » أن يتولى عنهم حرب « خالد بن الوليد » لأنه أعلم بقتال العرب ، فلما سمع جند الفرس مصادقة قائدهم ثاروا علية مُحتجين كيف يصادق « ذلك الكلب » على ما قال ! ولم يقبلوا من قائدهم أى تبرير لهذا الوهن وهم الأقوياء !

   هذا إلى أن العرب الذين حاربوا الفرس والروم وانتصروا عليهم ، لم يكونوا جميعًا من أهل البادية أو الناشئين على الشظف ، وكان قائدهم الأكبر خالد بن الوليد ـ مخزوميًّا قرشيًّا من أغنى ذوى الثراء والجاه العريض . وكان أبوه الوليد بن المغيرة ملقبًا بالعدل وبالوحيد ، لأنه كان يكسو الكعبة وحده سنة ، وتكسوها قريش كلها سنة أخرى . وكان عمه هشام قائد بنى مخزوم فى « حرب الفجار » ، وجرى التأريخ به على سنة التأريخ بالأحداث العظام ، وكان عمه « الفاكه بن المغيرة » من أكرم العرب فى زمانه ، وعمه « أبو حذيفة » أحد الأربعة الذين أخذوا بأطراف الرداء وحملوا إلى النبى عليه السلام الحجر الأسود إلى موضعه بالكعبة قبل الإسلام . وكان من أعمامه « أبو أمية بن المغيرة » الملقب بزاد الراكب لأنه كان يكفى أصحابه مئونتهم فى الأسفار ، وكانت نساؤهم توصف بأنهن رياحين العرب .

   وعلى ذلك تبطل حجة أو ذريعة خشونة البادية ، أو ترف الروم والفرس ، أنهما سبب هذا النصر المزدوج !

   ولا ينبغى نسيان أن ظاهرة الانتصار تكررت حيث لا عرب ولا روم ، بل وكان الفرس فى صفوف أمراء الإسلام ، حين حارب السلطان « محمد غورى الأفغانى » قبائل « راجبوت » الهندية ، وانتصر عليهم فى القرن الثانى عشر للميلاد ، وهم الذين عرفوا فى العالم القديم بالشجاعة والفروسية .

   وتكررت الظاهرة فى المغرب ، حيث كان المنهزمون من قبائل البربر التى لم تعرف غير الخشونة فى القتال . وتكررت هذه الظاهرة فى مواطن أخرى ، لعلى أضيف إليها انتصار أمراء المسلمين على المغول فى « عين جالوت » سنة 1260م ، برغم ما عرف عن المغول من فروسية وخشونة ودموية ، وبرغم ما كان قد دان لهم بحكم هذه الدموية !

   وهنا يبدو أنه لابد إذن من سبب آخر لهذا الانتصار ، ولم يكن ذلك إلاَّ « العقيدة » التى حفزت أولئك المجاهدين برغم اختلاف الأقوام والأزمان والظروف .

   إنها دفعة هذا الدين الجديد ، التى حققت هذه « الغلبة » التى قل إن لم يندر أن تتكرر فى تاريخ الدول والأديان .

وقوة صامدة !

 

   تكرار ظاهرة هذا الانتصار ، تدل على أن العقيدة الإسلامية لم تكن فقط « قوة غالبة » مع النشأة والظهور ، وإنما تدل على أنها ظلت أيضًا « قوة صامدة » بعد مئات السنين !

   فما تفسير هذه القوة التى بقيت صامدة على مر السنين بل القرون ؟!

   مابين القرن السابع للميلاد إلى القرن العشرين ، قامت دول إسلامية ثم انهارت ، وحدث فى فترة من الزمن خروج المسلمين من أوروبا الغربية ودخولهم إلى أوروبا الشرقية ، ودالت دولة دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة ، وقامت دولة الآسيتانة واسطنبول . ثم ظلت هذه الدولة (العثمانية) كفؤًا للدول الأوروبية مجتمعة أو متفرقة حتى تداعت أركانها وتصدع بنيانها وبقيت قائمة إزاء اختلاف الطامعين فى ميراثها على تقسيمها ، وتلاحقت الضربات على البلاد الإسلامية بين هزيمة واضطهاد وتمزيق وتفريق ، حتى تمكن منها المستعمرون ولم تبق منها واحدة تنعم بحرية الحكم والاستقلال .

   وانتهى القرن التاسع عشر ، فإذا بالاستعمار يتراجع ، ولا يظفر ببقاء ولا بغناء بسلطان المال والعلم والسلاح .

   وإذا بدولتين إسلاميتين ـ ودعنا من التطوارت الآن ! ـ تبرزان فى آسيا يزيد تعداد كل منهما عن السبعين مليونًا (آنذاك) ، هما دولتا : أندونيسيا والباكستان . وإذا بدول آسيوية
وأفريقية تقترب من الحرية ، ونالها البعض الآن ، وتتخلص من ربقة العبودية ، ولا يبدو سندًا حقيقيًّا لها إلاَّ «
قوة الصمود » بعد أربعة عشر قرنًا من الدعوة الإسلامية .

   إن « قوة الصمود » هنا لعجيبة مثل « قوة الغلبة » هناك .

   وقد تتابعت الظروف المتغيرة ، وبقيت هذه القوة غالبة صامدة ، تتطلب تفسيرًا غير كلمة « العقيدة » مجردة من خواصها ومزاياها .

   فما هى هذه المزية التى تميزت بها هذه العقيدة عن غيرها من العقائد الأخرى ؟

   لقد صادف المبشرين عجزٌ عن النيل من هذه العقيدة رغم ما بذلوه ويبذلونه ، وجعلوا يبحثون عن العلة ، فظن بعضهم أنها لكونه لا يمنع تعدد الزوجات ولا يحول بين الأفريقى وطلاق زوجاته أو الاحتفاظ منهن بمن يشاء .

   وظن آخرون من الباحثين أن سرعة الإقبال على الإسلام بين الهنود ، لأنه سوّى بين الطوائف المنبوذة وغيرها من طوائف السادة والأشراف .

   وعزا آخرون سرعة انتشاره بين الأندونيسيين إلى أنه صادف هناك شعبًا فقيرًا ساءت ظنونه بساداته من رجال الدنيا والدين ، فرحبوا بالدين الجديد .

   وقال البعض إن السبب يكمن فى أنه دين بسيط سهل القواعد والأصول ، لا تعقيد فيه ، لا يحوج المتدين بعد الإيمان بالوحدانية وفرائض العبادة ـ إلى شىء من الغوامض والمراسم التى يتبعها أتباع عقائد أخرى دون أن يفقهوا فحواها أو مغزاها !

   وقد أخطأت كل هذه التعلات أو الظنون غايتها !

   ومع عودة الأستاذ العقاد إلى الاستشهاد بما كان فى المسيحية من تعدد للزوجات أسلفناه فى تناولنا لكتاب « المرأة فى القرآن » ، فإنه ينوه هنا إلى أنه لم يرد تحريم لتعدد الزوجات فى كتاب من كتب العهد القديم أو الجديد ، وكل ما ورد وأسلفناه استحسان الإنجيل الاَّ يزيد القس على زوجة واحدة إنْ كان لابد من الزواج ، وأضاف الأستاذ العقاد أن « شارلمان » جمع فى القرن التاسع للميلاد بين زوجتين ، وزاد عدد زوجاته على خمس كلهن بقيد الحياة غير من فى القصر من السرارى والزوجات « غير الشرعيات » ، واعترف قبل وفاته بعشرة من أبناء هؤلاء غير الثمانية الذين ولدوا له من ثلاثة من زوجاته ، والأبناء الذين ولدوا له ولم يعترف بهم لأنهم كانوا على غير ما يحب من سمات الأمراء .

   ويعاود الأستاذ العقاد الاستناد إلى ما أورده بكتاب « الفلسفة القرآنية » ، وقد أسلفناه ولكتابه « عقائد المفكرين » ـ لينتهى باستخلاص سديد إلى أن الغالب على الأوامر الدينية أو آداب العقيدة هو « الشمول » الذى يحيط بالإرادة والشعور والظاهر والباطن ولا يسمح لجانب من النفس أن يخلوا منه ، وأنه دفعًا لهذا المبدأ أو الشرط ، شرط الشمول فى العقيدة ـ فإن الإسلام يكون هو العقيدة المثلى للإنسان منفردًا ومجتمعًا ، وعاملاً لروحه أو عاملاً لجسده ، وناظرًا لدنياه أو ناظرًا لآخرته ، وفى كل أحواله .

   والخلاصة أن « شمول العقيدة » الإسلامية فى ظواهرها الفردية وظواهرها الاجتماعية ـ هو المزية الخاصة فى العقيدة الإسلامية ، وهذا الشمول هو الذى يوحى للإنسان أنه
« كل » شامل ، فيستريح من فصام العقائد التى تشطر السريرة شطرين ، ثم تعيا فى محاولة التوفيق بين الشطرين !!                   ( يتبع )

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *