رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

الأخلاق والآداب

   وهذا هو عنوان الفصل الرابع والأخير من الكتاب , وهو يدور حول النقائض المزعومة , وأخلاق القوة , والأخلاق المحمودة , ومقياس الأخلاق والآداب , وهدى الأسماء الحسنى ثم الختام .

 النقائض المزعومة

   وهى نقائض ادعاها نقاد أجانب مردها إما إلى الجهل بالإسلام , أول الجهل باللغة العربية.

   من ذلك كتاب لأحدهم عن « الشيطان » جعل يلم فيه بصفة « إبليس » المذكورة فى الإسلام , ويستغرب من الدين أن يقول عن الله إنه أمر الملائكة بالسجود لآدم , مع أنه الدين الذى اشتهر بالتشدد فى إنكار وتكفير كل سجود لغير الله .

   ومرجع خطأ الكاتب أنه فهم السجود بمعنى الصلاة دون غيرها من معانى الكلمة فى اللغة العربية , وهى معان معروفة فى اللغة العربية قبل أن يعرف العرب صلاة الإسلام .. ولم يفهم العرب من الكلمة أنها تنصرف إلى العبادة دون غيرها , من ذلك أنهم يقولون : « سجدت عينه » أى أغضت , وأسجد عينه أى غض منها , وسجد أى غض رأسه بالتحية .. ولا تناقض على معنى من هذه المعانى بين السجود لآدم وتوحيد الله . فالسجود هنا هو التعظيم المستفاد من القصة كلها , وهو تعظيم الإنسان على غيره من المخلوقات .. والذى فيه قال القرآن الكريم « وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً » ( الإسراء 70 ) .

   وبعض هؤلاء النقاد يرى أن الإسلام مناقض بطبيعته للعمل والسعى , لأنهم فهموا
خطًأ أن الإسلام تواكل وتسليم إلى الله بغير حاجة إلى الحول والقوة , لأنه لا حول ولا قوة إلاّ بالله .

   وجهل هؤلاء بالفهم أكبر من جهلهم باللغة .. فالإسلام أكثر دين دعا للعمل والسعى , وهو يحرم على المسلم أن يسلم للظلم أو للتحكم , وينهاه أن يستسلم للخيبة وللقسمة الجائرة , أو أن يستسلم لقضاء لا يرضاه ويعلم أن الله لا يرضاه .

   وبعضهم رأى أن الإسلام والسلم نقيضان , لأنه فهم كلمة أسلم على أنها من قبيل التسليم فى الحرب أو تحاشيًا وخوفًا من القتال .. وفات هؤلاء أن كلمة « أسلم » فى الحرب مأخوذة من إعطاء اليد أو بسطها للمصافحة , وأن مقصود الكلمة فى الدين أنها استقبال الله والاتجاه إليه , وأن من أسلم وجهه الله فقد استقبل طريقه وأعطاه وجهه .

   وقد ورد فى قصة إبراهيم عليه السلام فى سورة البقرة بالقرآن الكريم , قوله عز وجل لنبيه أن أسلم قال أسلمت لرب العالمين …

   « وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ » ( البقرة 130 , 131 ) .

 الأخلاق فى الإسلام

     يتساءل الأستاذ العقاد , هل هذه الأخلاق هى أخلاق قوة ؟ أو أخلاق محبة , أو هى أخلاق قصد واعتدال ؟ وهل هى أخلاق اجتماعية ؟ وهل هى أخلاق إنسانية ؟

   ويجيب عن أخلاق القوة بأنها كذلك أحيانًا , ولكنها ليست كذلك فى جميع الأحيان , لأن أخلاق القوة قد تفهم على وجوه متعددة , أو متناقضة , يحمد الإسلام بعضها ولا يحمد بعضها .

   وقد توصف الأخلاق بأنها « أخلاق محبة » , لأن أصول العلاقات بين الناس قائمة فى الإسلام على شرعة المحبة والأخوة كأن الجميع من أسرة واحدة , ولكن الإسلام ينكر على المسلم أن يحب الخبيث كما يحب الطيب , ويعرف العداوة من أجل الحق كما يعرف الصداقة فيه .

   كما أن قوام الأخلاق كله ـ ليس فى التوسط أو فى القصد والاعتدال على مذهب الفلسفة اليونانية أو فلسفة أرسطو على وجه الخصوص .

 أخلاق القوة

   اقتران هذا التعبير باسم « فردريك نيتشه » رسول السوبر مان .

   والسوبر مان عنده لا يرحم ولا يغفر ولا يعرف للضعيف نصيبًا من « الإنسان الأعلى » غير نصيب الزراية والإذلال .

   والأخلاق عنده قسمان : قسم للسادة لا يقبله للعبيد , وقسم للعبيد لا يقبله السادة .

   وقد عرفت أخلاق القوة قبل نيتشه بتفسير يجعل القوة مرادفة للاستحسان .

   والناس على زعم نيتشه ومثله الفيلسوف هوبز , يحمدون الرحمة لأنهم يحمدون القوة . ويحمدون العفو لأن الذى يعفو يعفو بقوته . ويحمدون الكرم لأنه عطاء . ويحمدون الدهاء لأنه قوة فى العقل يتمكن صاحبها من تسخير سواه , ويحمدون الذكاء والحذق والمعرفة والبراعة لأنها من علامات القوة . أما العظمة والمجد والشجاعة فلا حاجة بها إلى تفسير انتمائها للقوة .

   وهذه الفضائل أو المزايا ـ فى نظرهم ـ تفيد أصحابها قوة كما تنم فيهم على القوة ..

   وقالوا إن الشجاعة وسط بين التهور والجبن , وأن الكرم وسط بين الإسراف والبخل , والصبر وسط بين الجمود والجزع , والحلم وسط بين النزق والبلادة , والرحمة وسط بين القسوة والخور .. وهكذا كل فضيلة : وسط بين غايتين .

 القوة والاعتدال

   مناط القول , أن الإسلام لا يحمد من الأخلاق ـ أن تكون حيلة إلى طلب القوة , بل يحمد فيها أن تكون وسيلة إلى « طلب الكمال » .

   ويلتبس الأمر على أصحاب مدرسة التوسط , لأنهم ينظرون فى تقدير الكرم ـ مثلاً ـ إلى المال المبذول وإلى مصلحة الباذل فى حساب المال .. ولن يكون هناك التباس إذا نظروا للباعث والموجب والمصلحة فى عمومها ولو ناقضت مصلحة الباذل فى بعض الأحيان .

   وخلاصة المقارنة بين التطرف والتوسط , هى أنه فى النهاية مسالة نسبية .

   غير أن مذهب الاعتدال ـ مع هذا ـ هو أقرب المذاهب إلى فهم الأخلاق المحمودة فى الإسلام .

 مقياس الأخلاق والآداب

   مجمل الرأى أن المجتمع يقاس بالدين وليس الدين يقاس بالمجتمع .

   ولابد من الفضائل الإلهية فى تعليم الإنسان مكارم الأخلاق , والواقع أن الإنسان لم يكتسب أفضل أخلاقه إلاّ من الإيمان بمصدر سماوى يعلو على طبيعته الأرضية .

   وهذا هو المقياس الأرقى لمكارم الأخلاق فى الإسلام ..

   ليس المقياس أنها أخلاق قوة , أو أنها أوساط بين أطراف , أو لأنها ترجمان لمنفعة المجتمع أو منفعة النوع الإنسانى .

   وإنما مقياس أنها أخلاق كاملة , وأن الكمال اقتراب من الله ..

   ولله المثل الأعلى ..

   وكل صفة من صفات الله الحسنى محفوظة فى القرآن الكريم , يترسمها المسلم ليبلغ فيها غاية المستطاع فى طاقة المخلوق ..

   إن الدين الإسلامى بجملته وعقائده آدابه , يستحب القوى للمسلم , ولكنها ليست القوة المتجبرة , وإنما التى تعطف على الضعيف وتحسن إلى المسكين واليتيم .. وليست القوة التى تصان بالجبروت والخيلاء .

   « إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ » ( لقمان 18 ) .

   « فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ » ( النحل 29 ) .

   « أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ » ( الزمر 60 ) .

   ولا يستحب الإسلام القوة للقوى إلا ليدفع بها عدوان الأقوياء على المستضعفين العاجزين عن دفع العدوان :

   « وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ »
( النساء 75 ) .

   ولم يوصف الله بالكبرياء فى مقام الوعيد للكبرياء بالنكال والإذلال , إلا ليذكر المتكبر الجبار أن الله أقدر منه على التكبر والجبروت .

   والإسلام يزكى مذهب التوسط فيما يقبل التوسط بالمقادير أو بالدرجات كالإنفاق الذى ينتهى الإسراف فيه إلى اللوم والحسرة :

   « وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا »
( الإسراء 29 ) .

   « وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا » ( الفرقان 67 ) .

   « كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ »
( الأنعام 141 ) .

   « وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ » ( الأعراف 31 ) .

*           *          *

     ولكن القسطاس فى فضائل الإسلام لا يرجع إلى المقدار والتوسط فيه , بل يرجع إلى الواجب وما يقتضيه لكل أمر من الأمور , فإذا وجب بذل المال كله وبذل الحياة معه فى سبيل الحق فلا هوادة ولا توسط هنا بين طرفين , وإنما هو واجب واحد يحمد من المرء أن يذهب فيه إلى أقصاه ..

الأسماء الحسنى

   الإنسان مأمور أن ينظر فى صفات الله الحسنى كما تجلت فى أسمائه , فهى قبلته التى يهتدى بها إلى مكارم الأخلاق بما فى وسعه . وهذه الأخلاق كثيرة وافية بخير ما يتحراه الإنسان فى مراتب الكمال .

   ومن أدب الإسلام أنه يقدم للمجتمع الإنسان الإجتماعى الكامل فى أقوى صورة من الخلق والأدب والسلوك .

   وإذا ما وفى المسلم بأمانة الشكر وعرفان الجميل , فلا ينسى أنه مدين لهذا الدين الحنيف بوجوده الروحى ووجوده المادى فى حاضره الذى وصل إليه بعد عهود شتى من المحن والبلاء . ولولا هذه العروة الوثقى التى اعتصم بها لضاع بوجوده الروحى ووجوده المادى فى غمار يمحوه ولا يبقى له على معالم بقاء .

   ومن حق هذا الدين عليه أنه يسلمه إلى الدنيا « قوة » يعتصم بها العالم فى مستقبله بين الأعاصير التى ابتليت بها الإنسانية .

   من أمانة الدين , الإيمان بإرادة الله كما تتجلى لخلقه يؤديها كل من عرفها بمقدار ما عرفه منها , ويذكر معها نعمة الرسالة الإلهية التى افتتحت باسم الله الرحمن الرحيم وتختتم بحمد لله رب العالمين .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *