رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

عقيدة النبوة

     تمت فى الإسلام فكرة النبوة ، كما تمت فكرة الإلهية ، فبرئت هذه الرسالة السماوية من الشوائب الغليظة التى لصقت بما قبلها .

   ليست النبوة بقول ساحر ، ولا يفلح فيها الساحرون ، وليست بعمل كاهن ولا مجنون ..

   « وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ » (الحجر 1115)

     فليست الخوارق مما يغنى النبى فى دعوة المكابر المفتون ، وقد جاءت بعض هذه الخوارق طائعة لمن يريد استغلالها ، فنفاها عليه الصلاة والسلام وردها إلى الله ، كما جاء فى خبر كسوف الشمس مصادفة وقت دفن ابنه إبراهيم .

   والغيب لله ، ولا يدعيه عليه الصلاة والسلام .

     « وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ » (يونس20)

   « قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » (الأعراف188)

   « قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ » (الأنعام50)

     « وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ » (الأنعام59)

*         *         *

     وبهذه العقيدة الرشيدة ، فرق الإسلام بين طريقين شاسعتين فى تاريخ الأديان .. طريق موغلة فى القدم تشتبك بالوثنية وتخلط العبادة بالسحر والكهانة ، وطريق هداية موغلة فى المستقبل ، ترفض السحر والكهانة وقداسة الجنون ، وتروض بصيرة الإنسان على قبول الهداية .

     وأبعد شىء عن المعقول وعن البحث الأمين أن تنعقد المقارنة بين هذه النبوة الإسلامية ، وبين النبوات التى تقدمتها .

     كانت النبوات السابقة ، فيما أحصاها القرآن ذاته، نبوءات السحر ، أو الكهانة و الجذب و الجنون المقدس أو نبوءة التنجيم وطوالع الأفلاك ، أو ادعاء العلم بالغيب والقدرة على تسخير نواميس الطبيعة .

     ويورد الأستاذ العقاد أن المقارنة بين النبوة الإسلامية وبين النبوءات التى شاعت فى تاريخ العبريين ـ تغنينا عن تعميم المقارنات فى عامة الديانات التى سبقت ظهور الإسلام ، فقد آمن العبريون بهذه النبوءات جميعًا .

     وقد عرفت نبوءات العبريين نبوءات السحر والكهانة و التنجيم كما عرفتها الشعوب البدائية ، وابتكرت منها واقتبست عنها ، وكانوا يسمون النبى بالرائى أو الناظر أو رجل الله ، ولم يطلقوا عليه اسم النبى إلاَّ بعد معرفتهم بأربعة من أنبياء العرب المذكورين فى التوراة ، وهم ملكى صادق وأيوب وبلعام وشعيب ( الذى يسمونه « يثرون » معلم موسى الكليم ) ، ويرجح بعضهم أنه الخضر عليه السلام للمشابهة بين لفظ يثرون وخثرون وخضر فى مخارج الحروف .

*         *         *

     والمطّلع على الكتب المأثورة بين بنى إسرائيل ، يتبن له أنهم آمنوا بهذه النبوات جميعًا ، وأنهم بعد ارتقائهم إلى الإيمان بالنبوة الإلهية ظلوا يخلطون بين مطالب السحر والتنجيم ، ومطالب الهداية ، ويجعلون الإطلاع على المغيبات امتحانًا لصدق النبى فى دعواه.

     وقد دلل الأستاذ العقاد على ذلك بما استخرجه من إصحاحات أسفار العهد القديم ، وما ورد بها من روايات تجرى على هذا المنوال ، وعلق على كثرة الأنبياء فى قبائل بنى إسرائيل بأنهم كانوا فى أزمنتهم المتعاقبة أشبة بأصحاب الأذكار والدراويش فى العصور الحديثة ، وقد جاوزوا المئات فى بعض العهود واصطنعوا من الرياضة فى جماعاتهم ما يصطنعه الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد ، وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب (سفر صموئيل الأول 19 : 20 ـ 22 ) ، (سفر صموئيل الأول 10 : 5 ـ 7 ) ، وسفر الملوك الثانى .

*         *         *

     وهؤلاء المئات من المحسوبين على النبوة ، لبثوا فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بين قبائل إسرائيل وقرًا فادحًا لا يصبر قوم على تكاليفه المرهقة وما شابه من أوضار وضلالات ـ إلاَّ لمنفعة ينتظرونها .

   وقد أورد الأستاذ العقاد فى صبر ـ روايةً طويلة كذلك جاءت فى سفر الملوك الأول ـ
(18 : 17
ـ 46 ) ويمكن لمن يحب الرجوع إليها .

     وعلى ذلك فلم تكن فكرة النبوة عند بنى إسرائيل ، إلاَّ صناعة مرادفة لصناعة التنجيم أو صناعة الفراسة المنذرة بالكوارث المتوقعة . ولم يكن لهم أن يفهموا من النبوة غير معناها هذا الذى تعلّموه من أحبارهم وكتبة أسفارهم .

     وكان من ذلك أن قر فى أخلاد الشعب من أحباره وعلمائه إلى عامة جهلائه ـ أن الكشف على الغيب مرادف لمعنى النبوة ، وأن وقوع الخير هو امتحان الصدق الوحيد الذى يمتحن به صدق النبوة .

*         *         *

     وبرغم أن بنى إسرائيل لم يعرفوا نبوة على مثال أتم وأكمل من نبوة موسى الكليم ، إلاَّ أنه بدر منهم ما يمثل إغراقًا فى هذه الأوضاع التى التبست بالنبوة فى فهمهم ، وكان أرفع ما تصوروه من معنى وحى الله أنه كان يخاطب موسى فمًّا إلى فم وعيانًا بغير حجاب ، وقد ورد فى سفر الخروج أن الله « نزل فى عمود سحاب ووقف فى باب الخيمة ودعا هارون ومريم فخرجا كلاهما فقال : اسمعا كلامى . إن كان منكم للرب فبالرؤيا استعلم له وفى الحلم أكمله . وأما عبدى موسى فليس هكذا . بل هو أمين فى كل شىء . فمًا إلى فم وعيانًا أتكلم معه لا بالألغاز »

     وكان اعتقادهم إن موسى عليه السلام يسمع كلام الرب فمًّا إلى فم وعيانًا بغير حجاب ، فى كل قضية من قضايا الشعب يعرضونها عليه . وأحيل القارئ على نص ما أورده الأستاذ العقاد من الإصحاح الثامن عشر من سفر الخروج (18 : 13 ـ 22 ) .      

*         *         *

     وبعد نحو ستة قرون من النبوة الموسوية ، وانتهاء عهد الأنبياء فى بنى إسرائيل ، لم يتغير معنى النبوة عندهم فى هذه الفترة الطويلة ، بل انحدر إلى ما دون ذلك بكثير . فقد فهموا النبوة على معنى الرؤية والعرافة والسحر والتنجيم !

     وبعد ستة قرون من آخر رسالة فى بنى إسرائيل ، استمع العالم إلى صوت قادم من الجزيرة العربية ، يدعو الناس كافة إلى رب العالمين ، لا يميز أحدًا على أحد ، ولا قومًا على قوم ، ويدلى بأن مصير الإنسان معلق على تقواه وعمله .

     ولا يدعى فى دعوته أنه يعلم الغيب ، أو يملك خزائن الأرض ، أو يدفع السوء حتى عن نفسه فضلا عن آله وقومه ، ولا يدعى لنفسه الخوارق والمعجزات ، وإنما يقول للناس إنه واحد منهم كسائر الناس ، بشير يهدى إلى الحق والرشد ، ونذير يحذر من الباطل والضلال .

     فكيف تسنى لمحمد عليه الصلاة والسلام أن ينفرد بهذه الدعوة وحيدًا فى تاريخ الأديان ، إلاَّ أن تكون الإرادة الإلهية هى الجواب .    

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *