رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

عودة إلى أرسطو وأفلاطون

      بداهة لم تكن رؤى أرسطو أو أستاذه أفلاطون موجهة ضد الإسلام ، فقد عاشا قبل قرون من نزوله ، ولكن الأستاذ العقاد يريدنا أن نعرف كيف نسجت الأباطيل لدى السابقين عن عقيدة الإله ، لنرى المساحة الهائلة التى قطعها الإسلام لرد هذه العقيدة إلى السواء .

     لا شك فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أن البيئة التى عاش فيها « الفيلسوفان » ، كانت منبتة الصلة عن التنزيه الفلسفى الذى حاولاه ، والذى يكاد يكون خيالاً جامحًا بالنسبة إلى العقائد الإلهية التى كانت فاشية آنذاك بين الكهان والمتعبدين من أبناء اليونان .

     كانت صورة « جوبيتر » رب الأرباب عندهم ، أقرب إلى صورة الشيطان منها إلى صورة الأرباب المنزهين . كان حقودًا لدودًا مشغولاً بشهوات الطعام والغرام لا يبالى إلاَّ بما يعينه على حفظ سلطانه والتمادى فى طغيانه .

    وكنت أحب أن أعرض لك ما أورده الأستاذ العقاد عن غضبات أو شطحات من جعلوه ربًّا للأرباب ، لولا أن المقام يضيق هنا عن هذا الاستطراد . وإن لزم أن أبدى أن الأستاذ العقاد عرج من أرباب اليونان ، إلى الهند القديمة التى طويت هياكلها ومعابدها على طوائف من الأرباب منها ما يلحق بالحيوان وعناصر الطبيعة ، ومنها ما يلحق بالأوثان والأنصاب ،
وكثير منها يتطلب من سدنته أن يتقربوا إليه بالبغاء المقدس أو ما يسمى بالكاما سوترا فى الأساطير الهندية
ـ وسفك الدماء .. وأن هذه الأرباب المتعددة آلف فى الهند القديمة إلى الثالوث المقدس : « براهما » و« فشنو » و« سيفا » ، وزادوا على ذلك أن جعلوا لكل إله قرينًا يسمونه « الشاكتى » أو الزوجة أو الصاحبة ، وينسبون إليها الشرور التى لا يحبون نسبتها إلى الإله الذى صاغوه !

     وليس يخفى أن هذه الأرباب لا تبتعد عن صور الشياطين والعفاريت والأرواح الخبيثة المعهودة فى أقدم الديانات ، وحينما أرادوا فى الهند القديمة الارتفاع فى معارج التنزيه والتجريد ، بلغوا صورتين مختلفتين ، إحداهما صورة « الكارما ـ Karma » ، والصورة
الأخرى « النرفانا
ـ Nirvana » ، وكلتا الصورتين من المعانى الذهنية التى لا توصف بها الذات الإلهية  .

*              *              *

      ومع إبداء الأستاذ العقاد أنه لا يريد فى هذه الصفحات القليلة أن يتتبع صورة الإلهية والربوبية كافة بين أمم الحضارات الأولى ، إلاَّ أنه اجتزأ منها النماذج الدالة على ما تراوح عليها بين الارتقاء إلى التنزيه ، وبين الهيوط إلى التجسيم أو التشبيه أو التشويه .

    ومع أن الديانة المصرية القديمة كانت أرفع الديانات ترقيًا إلى ذروة التوحيد والتنزيه ، إلاَّ أن عباداتها كانت تهبط أحيانًا إلى مهبط الديانات الغابرة التى عبدت الطواطم والأنصاب ، وإلى عبادة الأرواح الخبيثة والشياطين !

     ولكن لا يفوت الأستاذ العقاد أن يشير إلى أن ديانة مصر القديمة بلغت ذروتها العليا من التوحيد والتنزيه فى ديانة « آنون » التى بَشَّر بها الفرعون المنسوب إليه « إخناتون » .

*             *                *

     بيد أن هذه الشواهد من التاريخ القديم ، هى فيما يقول ـ شواهد تمثيل لا شواهد حصر وتفصيل . وهى تدل بما ارتقت به أو هبطت إليه ـ على أن فكرة التنزيه كانت مقصورة على فئة قليلة ، لم تسلم فى كل وقت من ضعف يعيبها عقلاً ويجعلها غير صالحة للأخذ بها فى ديانة الجماعة . ففى الديانة المصرية القديمة لم تسلم فكرة التوحيد من شائبة الوثنية وبقيت عبادة الشمس ظاهرة الأثر فى عبادة « آتون » . وقل مثل ذلك على ديانة الهند القديمة التى لم تعلم الناس الإيمان « بذات إلهية » معروفة الصفات أشرف من الكارما والنرفانا . أما التنزيه الفلسفى فى حكمة اليونان على مذهب أرسطو فقد كاد يلحق الكمال المطلق بالعدم المطلق .

ديانة الإسلام

     والديانة الإسلامية ـ كما هو معلوم ـ هى ثالثة الديانات الكتابية من حيث الترتيب الزمنى ، وقد مال علماء المقارنة بين الأديان فى الغرب ، إلى إجراء المقارنات على ما حسبوه ، ولم يتورع بعضهم ـ أو أكثرهم ـ عن حسبان الإسلام نسخة مشوهة أو محرفة عن المسيحية أو الموسوية ..

    وهذا الانحراف فى التأويل لا تسعفه النصوص ، وإنما تدحضه وتثبت فساده .

    وحسبك أن تراجع المراجع التى حملت عقائد العبريين ، وأشهرها التوراة والتلمود ، لترى أن صورة الإله فى هذه المراجع ، ومن أولها إلى آخرها ، هى صورة « يهوا » إله شعب إسرائيل .. وهى بعيدة عن الوحدانية يشترك معها آلهة آخرى كثيرون عبدتها الأمم التى جاورت العبريين ، ولكن « يهوا » كان يغار منها ولا يريد لشعب إسرائيل أن يلتفت إليها !

    فلم ينكر العبريون وجود آلهة أخرى كثيرة غير « إلههم » الذى يعبدونه تارة ويتركونه تارة أخرى ، ولكنهم يحسبون الكفر به ضربًا من خيانة الرعية لملكها !

    وقد جَمَد العبريون على هذه العقيدة ، ولم يتغير اعتقادهم قبل عصر الميلاد المسيحى .

    وابتدأ عيسى عليه السلام ـ دعوته الأولى مختصًّا بها بنى إسرائيل دون سواهم من العالمين ، وهنا يستخرج الأستاذ العقاد الآيات الدالة على ذلك بإصحاحات الأناجيل .

    ولم يتحول السيد المسيح عليه السلام عن بنى إسرائيل إلى غيرهم ، إلاَّ بعد أن قاوموه وصدوه وأصروا على رفضه وإنكار رسالته ، وجمدوا على عقيدتهم أنهم شعب مختار بين الشعوب فى إله مختار بين الآلهة ، وليس فى عقيدتهم تلك إيمان بالتوحيد ، ولا هى مما يتسع لديانة إسلامية ، فكيف يتشبه بها الإسلام الذى نزل للناس كافة ؟!          ( يتبع )

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *