رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

[email protected]

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

كلمة الحكم

      طفق الأستاذ العقاد يستخرج كلمة « الحكم » من آيات القرآن الكريم ، ليرى مواطن ومعانى استخدامها ، وليستخلص أن ورودها فى مواقعها بالكتاب المبين ، دليل آخر على تمكن الحرية ( الديمقراطية بلغة العصر ) ـ من العقيدة الإسلامية .

     الكلمة وردت بالقرآن فى مواضعها المختلفة ـ بالعشرات ، ويدل تعدد ورودها وتنوع استعمالها ، على أنها لم تأت عرضًا ، وأنها فى مواضعها ومعانيها دلت على الحكم
المنصف .

     فما من خلاف يدعو إلى حله ، إلاَّ كان له حكم ، وكان هذا الحكم فاصلاً بين الحق والباطل ، وجرى ذلك فى أمور الدين والدنيا ، ومن من هذه الآيات تمثيلاً لا حصرا :

     « فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ » ( غافر 12 ) .

     « وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ » ( يونس 109 ) .

     « وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ » ( هود 45 ) .

     « فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » ( البقرة 113 ) .

     « وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ » ( يونس 109 ) .

     « قَالَ رَبِّ احْكُم  بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ » ( الأنبياء 112 ) .

     « إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ » ( غافر 48 ) .

     « أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ » ( المائدة 50 ) .

     « يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى »
( ص 26 ) .

    « إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ
بِالْعَدْلِ » . ( النساء 58 ) .

   « وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ » ( المائدة 42 ) .

   « فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » ( يونس 35 )

*             *           *

    وها أنت اترى أن الكلمة وردت فى أغراض شتى من أمور الدين والدنيا ، ورأى الأستاذ العقاد أن تكرار الكلمة فى ذاته ، يغنيه عن إيراد تفاصيل الآيات ، لأن هذا التكرار فى مواضعه المتعددة ـ دال بذاته على أصالة الحكم فى العقيدة الإسلامية ، وأنها توحى إلى الضمير أن وراء كل خلاف أو هوى ـ حكمًا ، وأن وراء جميع الأحكام حكم الله أحكم الحاكمين وخير الحاكمين .

    وحين يؤمن المؤمن بحكومة الكون على هذا المثال ، فإنه يحق له أن يرى أن فى الكون حكمًا ، وأن للحكم سنة ، وأن قضاء الحق فوق قضاء الأقوياء .

 

السيادة

     عرفت السيادة بكثير من التعريفات ، أصحها أن السيادة هى سند الحكم ، ويشمل السياسة والتشريع وولاية الأمور العامة .

     ومعنى السند أنه هو المرجع الذى يعطى القانون ـ أو الرئيس ـ حق الطاعة ، وعلى ذلك فليست السيادة هى سلطان الحكم ذاته ، وإنما هى السند الذى يجعل للسلطة حكمًا مسلمًا به وليس غصبًا يفرض على المطَالَب بطاعته .

    وكان الرومان يرجعون إلى القانون الطبيعى ويتخذونه سندًا للتشريع ، ويعنى القانون الطبيعى عندهم « سنن الفطرة » التى يتلقاها الخلق بغير ملقن ويعملون بها بالبداهة .

     وبعد شيوع المسيحية ، ظهر من شراح النظم الحكومية من يعزو السيادة إلى السلطة الدينية التى ينهض بها رجال الدين ، وظهر تبعًا لذلك من ينوطون سيادة الملوك وحكمهم إلى الله بالحق الإلهى .

    على أنه بمضى الزمن والتطور ، ظهر من الفقهاء فى القرن السادس عشر من أدخلوا الرعية فى حسابهم ، وجعلوا لهم وجودًا فى السيادة بتعاقد مفترض مع الرعية ، وكان من أبرز هؤلاء « هوبرت لانجيه » صاحب كتاب « الحجة على الطغيان » ، ورأى فيه أن كل حكومة تستند إلى عقد بين الله والخلق جميعًا ، ويتبعه عقد بين الراعى ورعيته على العمل بأوامر الله ونواهيه .

    وتطورت فكرة السيادة التى تقوم على هذا التعاقد المفترض ، ونحا كلٌّ إلى اتجاه ، فقرر
« توماس هوبز » الإنجليزى ( 1588 / 1679م ) أن السيادة مستمدة من تعاقد بين الناس على حاكمهم ، على أن هذا التعاقد يلزمهم ولا يلزم الحاكم لأنه لم يكن طرفًا فيه .

    وقرر « جون لوك » الإنجليزى ( 1603 / 1704 م ) أن الحاكم ملتزم فى التعاقد لأنه طرف فيه .

   أما  « روسو » الذى اشتهر بالعقد الإجتماعى مع أنه ليس مبتدع الفكره ـ فكان يرى أن الرعية لا ينزلون للحاكم عن حريتهم ، ولكنهم ينزلون عنها فيما بينهم بعضهم لبعض ، ويوكلون إلى الحاكم ليعمل باسمهم على رعاية حقوقهم ومصالحهم .

    وجعلت هذه الآراء تتجدد كل عصر .

    وليس فى الإسلام ما ينكر أو يصادر مذهبًا من المذاهب ، أو يصادر حرية الناس فى التفكير الذى رأينا كيف أنه فريضة إسلامية ، ولم ينكر الإسلام من هذه المذاهب إلاَّ المذهب الذى يدعى للحاكم سلطة إلهية ، وكان النبى عليه الصلاة والسلام ينكر على الوالى أن ينتحل لنفسه ذمة الله ويقول لمن يوليه أمرًا : « إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك ، فأنت لا تدرى أتصيب حكم الله فيهم أم لا » .

    وكان الفاروق رضى الله عنه يأبى أن يقال عن رأيه إنه مشيئة الله ، وانتهر بعض جلسائه لأنه زعم ذلك فقال : « بئس ما قلت ! هذا ما رأى عمر . إن كان صوابًا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمن عمر …. لا تجعلوا خطأ الرأى سنة للأمة » .

    ويبدو للأستاذ العقاد بعد هذا العرض ، أن أقرب الأقوال إلى سند السيادة فى الإسلام هو الرأى القائل بأنها عقد بين الله والخلق من جهة ، وعقد بين الراعى والرعية من جهة أخرى ، وأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ، ولا ينهى هذا الفصل قبل أن يعرض بعض الآراء التى قيلت فى أهمية وضرورة أن تواجه الدولة الإسلامية الناشئة مسألة تقرير مصدر السيادة ، وفى النهاية فإن العهد فى الإسلام حقيقة عملية تتمثل فى المبايعة وفى الاعتماد على كتاب موجود ملزم للحاكم وللمحكوم .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *